
ما جرى مؤخرًا لا يمكن أن يمرّ دون وقفة تأمل وتساؤل، بل يحمل من الدهشة والأسف ما يكفي لإثارة الغضب المشروع. فأن يبادر الأب مسعود ولد بلخير، الرمز التاريخي والمُناضل الذي لطالما شكّل ضميرًا حيًّا لقضايا المهمشين، إلى إجراء اتصال مباشر برئيس مؤسسة المعارضة الديمقراطية، ملتمسًا لنفسه موقعًا داخل صفوف المعارضة، ليس مجرد تفصيل عابر، بل خطوة تنطوي على دلالات سياسية مقلقة في لحظة بالغة التعقيد.
فالتحرك لم يكن بمعزل عن دوائر السلطة، بل جاء – وفق المؤشرات – في سياق تنسيق واضح مع النظام، الذي يسعى بكل وسيلة إلى إعادة تشكيل خارطة المعارضة على مقاسه، من خلال حشر رموز وطنية سابقة في أدوار تمثيلية زائفة، تخدم أهدافًا ظرفية لا علاقة لها بواقع النضال ولا بتطلعات القواعد الشعبية.
والمفارقة الكبرى أن الأب مسعود لم يعد يُحسب على صف المعارضة منذ سنوات. فقد انخرط بشكل واضح في صف الأغلبية، وساند نظام غزواني في خياراته، بل دافع عنه حتى في أحلك لحظات فشله السياسي والاجتماعي. فكيف يُعقل أن يعود الآن إلى المعارضة عبر بوابة انتهازية، لا تعكس تحوّلًا في القناعات، بل تلبي رغبة السلطة في تجميل مشهد الحوار الذي تهاوت مصداقيته أمام الرأي العام؟
الحقيقة المؤلمة أن ما نشهده اليوم هو محاولة يائسة من النظام لإضفاء شرعية زائفة على حوار فقد معناه قبل أن يبدأ، بعد أن فشل في استقطاب القوى المعارضة الحقيقية، فلجأ إلى إعادة تدوير الرموز التاريخية، وتوظيفها كورقة دعائية لا أكثر، في مشهد أقرب إلى مسرحية سياسية مرتبة بعناية، تغيب عنها الروح والموقف والمضمون.
إن النظام، بعد أن خسر رهاناته في التنمية، والعدالة، وبناء دولة المواطنة، بات يبحث عن انتصارات وهمية على طاولة التزوير السياسي، باستدعاء أسماء كانت يومًا في طليعة النضال، لتحمل اليوم شعارات لا تؤمن بها، وتمثّل قضايا لم تعد تُجيد النطق باسمها.
وما يحزّ في النفس أن يكون الأب مسعود، بكل ما يرمز إليه من تاريخ وتضحيات، جزءًا من هذه اللعبة. فالرجل الذي واجه الأنظمة وتحدّى الإقصاء، يُستدرج اليوم ليكون أداة في يد من طالما وقف في وجههم. تلك مفارقة موجعة، لا تسيء فقط إلى رمزيته، بل تطرح أسئلة جدية عن حدود التحوّل، وصدق الموقف، وحقيقة الانتماء.
إن محاولة فرض تمثيل موجه للحراطين من داخل غرف النظام، هو استمرار لعقلية الإقصاء وإن تغيّرت الأقنعة. وهي خيانة ناعمة لمبادئ العدل والمساواة، وتفريغ لقضية عادلة من مضمونها الحقيقي.
لقد فشل النظام في كل شيء تقريبًا، وها هو الآن يُقامر على مائدة المعارضة، بأوراق فقدت قيمتها، وأصوات فقدت صدقيتها. غير أن الشعوب تعرف من يمثلها حقًا، وتفرق بين من يقاتل من أجلها، ومن يساوم باسمها.
فالمواقف لا تُشترى، والنضال لا يُؤجّر، ومن تخلى عن موقعه طوعًا، لن يسترده بالوصاية ولا بالتمثيل المفروض من فوق.
نور الدين سمة



.jpeg)

.jpeg)