
في عالم باتت تخاض فيه الحروب على الإدراك، يتبدى أن ميدان الصراع الحقيقي لم يعد الجغرافيا، وإنما المعنى. فالقرن الحادي والعشرون شهد تحولا عميقا في أدوات القوة، حيث أصبحت القدرة على التأثير في وعي الجماهير وتوجيه مشاعرها الجماعية، شرطا مسبقا لكل أشكال السيطرة السياسية أو الاستقرار المؤسسي. وبينما تتجه بعض الدول إلى تنظيم الفضاء الإدراكي بوصفه نطاقا سياديا جديدا، تظل موريتانيا منشغلة بحروبها الصغيرة (العرقية والفئوية والجهوية...) وعالقة في فجوة بنيوية تجعلها عرضة لاختراق رمزي من الخارج، لا سيما في ظل هشاشة سرديتها الوطنية وبطء تأطيرها للحيز الرقمي العام.
ينطلق المقال من تحليل عميق لماهية الحرب الإدراكية، بوصفها نمطا معقدا من التأثير، لا يهدف فقط إلى بث معلومات مضللة، بل إلى إرباك البنية الذهنية التي تعالج بها الشعوب تلك المعلومات. إنها حرب تستهدف القواعد المسبقة للفهم والمنطق الجمعي وإدراك الواقع ذاته. ويبرز الفرق الجوهري هنا بين الدعاية التقليدية التي تسعى للإقناع أو الترهيب، وبين الهندسة الإدراكية التي تفرغ المفاهيم ذاتها من معناها، وتحدث تمزقا ناعما في نسيج الوعي الجماعي.
يرسم المقال خريطة مركبة للفاعلين في المجال الإدراكي، تتداخل فيها أطراف دولية كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، التي تختلف مقارباتها في أدوات التشويش والإخضاع والتحكم، مع فاعلين إقليميين كالمغرب والجزائر، يوظفون الأدوات الإعلامية والثقافية والدينية لتحقيق مكاسب رمزية في الداخل الموريتاني. كما تدخل شركات التكنولوجيا العابرة للحدود بوصفها أطرافا محايدة ظاهريا، لكنها تشكل عمليا نواة البنية التحتية للمعنى، عبر خوارزميات التوصية التي تضخم المحتوى المستقطب وتؤجج الاستقطاب المجتمعي.
في المقابل، يظهر النص أن موريتانيا ما تزال تفتقر إلى الحد الأدنى من البنية السيادية في هذا الفضاء؛ فغياب سردية وطنية جامعة يعمق الفراغ الرمزي ويمنح الفاعلين الخارجيين ثغرات جاهزة لحقن سردياتهم، خصوصا في ظل ضعف الإعلام الوطني والفراغ التشريعي وتدني مستوى التمكين الرقمي، الذي يجعل حوالي 75% من المواطنين خارج دوائر التأثير التواصلي الحديث. ويزداد خطر هذا الانكشاف في ظل غياب بوابة وطنية للرصد السيبراني وعجز الدولة عن الاستجابة الفورية لحملات التشويش أو التشكيك.
ومن خلال نفس تحليلي، يعرض المقال خمسة مسارات متكاملة للهجوم الإدراكي المتوقع على موريتانيا خلال الفترة القادمة؛ أولها نزع الشرعية المؤسسية، من خلال ضخ سرديات تقوض الثقة في القضاء والجيش والانتخابات والاحصاءات الرسمية، بما يحول الدولة تدريجيا إلى كيان موضع ريبة في نظر مواطنيها. ثانيها تفخيخ الهوية، عبر تضخيم التباينات اللغوية والشرائحية، وتأليب الجماعات على بعضها باستخدام محتوى زائف تنتجه شبكات تأثير خارجية.
ثالث هذه المسارات يتمثل في صناعة الذعر الاقتصادي والأمني، من خلال شائعات الانهيار المالي أو الخطر الإرهابي باستخدام مقاطع مفبركة وصور خارج سياقها، مما يؤدي إلى إرباك الرأي العام وإضعاف الاستجابة المؤسسية. ورابعها هو اختراق البنية التحتية للمنصات الرقمية، حيث يتم استغلال الساعات الأولى لبث محتوى منسق قبل تدخل المنصات. أما المسار الخامس، فيتجلى في نشاط الفاعلين الهجينين، حيث تندمج الرواية بالدبابة ويوظف الخطاب المتطرف لتجنيد الشباب وتسهيل العنف أو التهريب، كما تظهره تجارب فاغنر في ليبيا وإفريقيا الوسطى.
ولم يكتفِ المقال بالتشخيص، بل قدم مقاربة استشرافية تستند إلى تقاطع عاملين حاسمين هما: مدى نضج الإرادة السياسية في التعاطي مع الإدراك كمسألة أمن قومي، وحجم الضغط الخارجي على الفضاء الرمزي الوطني. ومن تقاطع هذين المتغيرين، يستخلص النص ثلاثة سيناريوهات ممكنة لموريتانيا في أفق 2030:
- سيناريو الانهيار الإدراكي، حيث يؤدي غياب الرؤية السيادية إلى تقويض السردية الوطنية وانكشاف الدولة أمام موجات من الذعر والتشكيك؛
- سيناريو المناعة التجميلية، حيث يتم اتخاذ إجراءات سطحية (ورش، قوانين جزئية، مذكرات تفاهم) تخفف الأعراض لكنها لا تبني بنية صامدة؛
- سيناريو المناعة السيادية، وهو المسار الأمثل، حيث تتبنى القيادة مشروعا متكاملا يشمل هيئة وطنية عليا للاتصال الاستراتيجي، ومنصة رصد رقمية تعتمد الذكاء الاصطناعي، وميثاقا سرديا جامعا، وإدماجا للتربية الإعلامية في المنظومة التعليمية.
وينتهي المقال بخاتمة معيارية تؤكد أن المفاضلة بين هذه السيناريوهات ليست مسألة نظرية، وإنما هي رهان على بقاء الدولة بوصفها كيانا سياديا في عصر تقاس فيه السلطة بمدى التحكم في الوعي وليس فقط بامتلاك الأرض. فإما أن تمتلك موريتانيا حق تأويل ذاتها والتكلم باسمها، أو تظل مجرد بنية إدارية تعاد صياغة هويتها من خارج مجالها السيادي.
مركز أودغست للدراسات الاقليمية



.jpeg)

.jpeg)