من أجل تأمين صحي موحّد..

في دولة تتطلع إلى بناء منظومة تنموية متوازنة، لا يمكن الحديث عن كرامة الإنسان دون الحديث عن الحق في الصحة، ولا عن الحق في الصحة دون تأمين صحي شامل وعادل، يضمن لكل مواطن موريتاني، دون استثناء، الولوج إلى العلاج في أي وقت، وأينما كان، وبلا تمييز طبقي أو جهوي أو إداري.
فالتأمين الصحي ليس امتيازًا، بل حق إنساني أصيل ومسؤولية اجتماعية على الدولة، وشرط من شروط التنمية المستدامة، المنصوص عليه صراحة في الهدف الثالث من أهداف التنمية الأممية.
وإذا أردنا لهذا الحق أن يتحقق واقعًا لا شعارًا، فعلينا أن نبدأ من أصل الخلل: ازدواجية التأمين، وانقسام المؤسسات، وضعف الشمولية.

 

نظام مزدوج وعدالة مجزّأة

 

في موريتانيا اليوم، تتوزع منظومة التأمين الصحي بين "كنام" (الصندوق الوطني للتأمين الصحي) الموجه للموظفين الرسميين وعمال الشركات المنظمة، و"كناس" (الصندوق الوطني للتضامن الصحي) الذي أُنشئ ليشمل المواطنين العاديين، لكنه لا يزال محصورًا في بعض مستشفيات العاصمة ومقاطعات قليلة في الداخل تعد على أصابع اليد الواحدة فقط، ولا يغطي سوى الفحوص والمعاينات، دون أي دعم للأدوية.
أما "كنام"، فرغم امتداده النسبي، يظل حكراً على من يتقاضون رواتب من الدولة أو الشركات النظامية، فيما يُترك المواطن غير المصنف، والعامل غير الرسمي، والتلميذ، ورب الأسرة غير الموظفة، بلا حماية، في مواجهة المرض، وكأن جسده لا يستحق الرعاية إلا إذا كان على كشوف الرواتب.
هذا التمييز، وإن تلبس لبوس التنظيم، هو ظلم اجتماعي بامتياز، يُفرّق بين المواطنين في لحظة ضعفهم الإنساني الأشد.

 

ضرورة الدمج في صندوق واحد موحد

 

من هنا، تبرز الحاجة إلى دمج "كنام" و"كناس" في صندوق وطني موحد للتغطية الصحية الشاملة، يتجاوز التقسيمات الوظيفية والجغرافية، ويبني نموذجًا تضامنيًا جديدًا يقوم على:

اشتراك رمزي سنوي لكل مواطن تجاوز سن 16.

خصم تلقائي من رواتب الموظفين والعقدويين لا يتجاوز نصف ما يُقتطع حاليًا من "كنام".

مساهمة بنفس الحجم من أرباب العمل لصالح عمال القطاع الخاص المنظم.

إعفاء كامل للفئات الهشة والمعوزة، وتكفل الدولة أو نظام التكافل بتغطيتهم.

بهذا الشكل، يتحول التأمين الصحي من امتياز وظيفي إلى حق وطني شامل، ومن بيروقراطية خانقة إلى خدمة مجتمعية منصفة.

 

 

التأمين داخل المنظومة الصحية لا خارجها

 

أي نظام تأمين ناجح يجب أن يكون جزءًا من المنظومة الصحية، لا كيانًا بيروقراطيًا موازياً لها.
يجب أن يعمل الصندوق الموحد جنبًا إلى جنب مع وزارة الصحة، لا أن يكون مجرد جهة دفع أو جهة رفض، بل شريكًا في التخطيط الصحي، والتكفل، وتقييم الأداء الطبي.
إدماج التأمين في السياسات الصحية سيجعل قراراته مبنية على المعطيات الصحية الحقيقية، ويمنحه دورًا حقيقيًا في الوقاية قبل العلاج، والتوعية قبل الإنفاق.

 

الرقمنة واللامركزية... أساس النجاح

 

كما يجب أن يُرقمن نظام التأمين الصحي بالكامل، بحيث يُعتمد على الرقم الوطني أو بطاقة تأمين ذكية، ويكون مرتبطًا بنظام إلكتروني موحد في جميع المستشفيات والمراكز الصحية، لتفادي فوضى التحقق اليدوي، وضياع الملفات، وتضارب الصلاحيات.
وفي السياق نفسه، يجب أن يكون للصندوق الموحد حضور فعلي على الأرض، عبر فتح مكتب تأمين دائم داخل كل مركز صحي مقاطعي، لتسجيل المواطنين، وتسليم بطاقاتهم، وتسهيل استفساراتهم، دون أن يُطلب منهم التوجه إلى العاصمة أو الانتظار في طوابير الإدارات المركزية.

فالتأمين الصحي الشامل لا يمكن أن يكون حقيقيًا ما لم يكن متاحًا، مباشرًا، ومُفعّلاً على باب كل مرفق صحي.

 

التأمين حقٌّ لا امتياز

 

إن بناء نظام تأمين صحي موحد، شامل، رقمي، وعادل، ليس مجرد إصلاح إداري، بل هو تحول اجتماعي وإنساني عميق.
هو رهان على دولة تعترف بمواطنيها، لا وفق ما يملكون، بل وفق ما يحتاجون.
دولة تعالج الناس لأنهم بشر، لا لأنهم مؤمّنون وظيفيًا.
فلنُخرج التأمين من منطق "الامتياز"، إلى منطق "الإنصاف".
ولنحوّل صناديق التأمين من كيانات إدارية متجاورة، إلى جبهة تضامن صحي واحدة، عنوانها:
لكل مواطن الحق في العلاج الكريم، بلا استثناء، وبلا إذن عبور إداري.

خميس, 17/07/2025 - 14:43