تذكير في موسم الباكالوريا

لقد بدأت الباكالوريا تنظم في موريتانيا سنة 1968، أي بعد قرابة 160 سنة من انطلاقها في فرنسا.  و لا شك انها مثلت في ذلك الوقت نقلة نوعية في نظام التعليم الوطني المستقل حديثًا. وقد شكل هذا الامتحان المرجعي منذ نشأته بوابة لولوج أبناء هذا الوطن إلى التعليم العالي في الدول المتقدمة، حيث كان حتى بداية الثمانينات، مثلا، ينتقل كل الناجحين في بكالوريا الرياضيات إلى مؤسسات التعليم العالي في فرنسا.
و مع الوقت واجهت الباكلوريا بعض الصعوبات والتحديات منها: --تسريبات واختلالات ضربت مصداقية الامتحان: في سنوات( 2015 - 2017- 2019 )، مما أدى إلى إعادة بعض المواد، وتوقيف موظفين تربويين أحيانا.

 

أزمة التصحيح وقضية السالمة بنت الداه:

 ولا شك أن أداء لجان التصحيح، يعد أحد أبرز وجوه الخلل في نظام الباكالوريا، وهو ما تجلّى بوضوح سنة 2022 في قضية الطالبة السالمة بنت الداه. وقد تفجرت هذه القضية بعد أن حصلت الطالبة السالمة على علامة متدنية جدًا في مادة الفيزياء (2/20)، رغم أدائها الممتاز في باقي المواد.
احتجت السالمة وأسرتها، وساندها الرأي العام الوطني، مما دفع الوزارة إلى إعادة تصحيح ورقتها، حيث ارتفعت نتيجتها لاحقًا إلى (12.75/20)، مما رفع معدلها العام إلى (15\20). وأظهرت هذه القضية خللاً بنيويًا في مسار التصحيح، وعدم وجود آليات فعّالة للطعن، الشيئ الذي دفع بعض الطلاب إلى القيام باحتجاجات، في السنوات اللاحقة للمطالبة بفتح أوراقهم للتصحيح.                

 

 2024: زيادة شهر ونقص سنة

 

وفي مفارقة لافتة سنة 2024، قامت الوزارة بزيادة السنة الدراسية بشهر إضافي، لتصبح الباكالوريا في الأسبوع الثاني من يوليو، وهو اسبوع شديد الحرارة خاصة في داخل الوطن،و ترتب على ذلك تأخير إعلان نتائج الباكالوريا حتى منتصف أغسطس، مما يمنع الطلاب  من فرص التسجيل في الجامعات الدولية.

كما قررت الوزارة أيضا تعديل المرحلة الإعدادية من أربع إلى ثلاث سنوات، في إجراء ربما  يؤدي إلى تدني المستوى التعليمي.

ومن الجدير بالذكر، الإشارة إلى خلل كبير في مدخلات ومخرجات المنظومة التربوية، يتسبب في تدني نسبة النجاح التي وصلت في سنة 2021، 2022 إلى نسبة 8%، مع اننا نسجل بارتياح بلوغها سنة 2024 الى نسبة 23%، ونرجو ان تستمر في التصاعد.
 وبين تاريخ عريق بدأ في ستينيات القرن الماضي، وواقع تُخيّم عليه التسريبات، وأخطاء التصحيح، والإصلاحات المرتجلة، تبقى الباكالوريا في موريتانيا مرآةً لمستوى النظام التربوي الوطني. ولعل الإصلاح الحقيقي يبدأ من؛ إرساء الشفافية، تعزيز كفاءة المصححين، ومواكبة المعايير الدولية في هذا المجال، نصا وروحا.

 

وفي الاخير يجب على المعنيين بالسياسات التربوية، النظر الى الباكالوريا كمجرد وسيلة إلى غاية اكبر وهي اخذ العلم، يعتبر الدكتور طه حسين في كتابه المفيد: مستقبل الثقافة في مصر: (ان من أخطر أسباب فشل أنظمة التعليم، تحويل الامتحانات إلى غاية يسعى الطالب بكل الطرق إلى نيلها، مما ولد جيلا تفكيره معوجا، يعتبر الوسائل غايات، يعتني بالتافه من الامور، ويُعرض عن العظائم، بل يعجز عن الشعور بها، وذلك بسبب ان الشباب ينشأ على العناية بالامتحان وهو تافه، وعلى اكبار الشهادة وهي سخيفة، وعلى الاعراض عن العلم والتفكير وهو لب الحياة، وخلاصتها.)

 

الباحث: يحيى احمدو

سبت, 21/06/2025 - 12:15