برنامج " تعمير - مدن التآزر " بين التنظير والتطبيق 

استجابة للدعوة التي وجهها فخامة رئيس الجمهورية للحكومة، والمنتخبين، والعلماء، والأئمة، وقادة الرأي، ورجال الأعمال، والأطر، والشباب والنساء من أجل المشاركة الفاعلة في تحقيق أهداف برنامج تعمير مدن التآزر، تأتي هذه الاسطر لتناوله بالفحص والتمحيص. وسيختصر تركيزنا هنا على مدى تناغم وتطابق البرنامج مع رؤية ومهام المندوبية أولا، ومستوى تحديد الأهداف التي يسعى البرنامج لتحقيقها وقابليتها للقياس ثانيا.

عدديا، يمثل هذا البرنامج إضافة لقائمة البرامج التي تنفذها المندوبية: برنامج الشيلة (تسهيل الولوج للخدمات القاعدية)، برنامج البركة (الترقية والاندماج الاقتصادي)، برنامج داري (تحسين إطار الحياة)، برنامج التكافل (تعزيز فعالية شبكات الأمان الاجتماعي وتحسين القدرة الشرائية) وبرنامج أمل (ضمان الأمن الغذائي وحماية القدرة الشرائية). لكن من حيث المحتوى والجوهر هل يشكل فعليا إضافة نوعية لما تقدمه مندوبية تآزر؟ 

جاء في تقديم المندوب العام للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء-تآزر أن هذا البرنامج يعتبر مشروعًا وطنيًا متكاملًا يهدف إلى القضاء على الفقر وتحقيق الاندماج الاجتماعي والاقتصادي للفئات الهشة. كما أنه يعكس رؤية تنموية قائمة على العدالة الاجتماعية، والإنصاف، وتمكين الفئات الأكثر احتياجًا.

نفس الأهداف تقريبا ونفس التقديم، إلا أن الجديد الذي حمله البرنامج الوليد هو التركيز على الجانب التوعوي القائم على تغيير العقليات، وتقوية اللحمة الوطنية، وتنمية الوعي المدني عبر إطلاق سلسلة من المحاضرات الليلية التي تهدف إلى تعزيز قيم المواطنة، وتقوية اللحمة الاجتماعية، وتحفيز الوعي المدني (محاضرات تحت عنوان "أهمية ترسيخ الوحدة الوطنية في ظل الأزمات الإقليمية والدولية"، "دور التربية الدينية في ترسيخ ثقافة المواطنة"، و"الآثار السلبية للمخدرات والمسلكيات الضارة بالمجتمع"...).

بغض النظر عن الأهمية القصوى لهذه الأهداف وضرورتها إلا أن السؤال المطروح هو: هل يدخل هذا ضمن المهام التي أنشأت من أجلها المندوبية؟ وبعبارة أخرى هل تتضمن رسالة التكليف من السلطة الوصية للمندوبية العمل على: تغيير العقليات، غرس القيم الدينية والمدنية، ترسيخ دور المسجد والمحظرة والمدرسة ودور الشباب والملاعب والنوادي الثقافية والرياضية في التوعية والتربية المتشبعة بقيم الدين الحنيف، وثقافة المواطنة المدنية؟ أم أنه تطبيق للقاعدة التي تقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؟

أعتقد أن ما هو مطلوب بالدرجة الاولى من القائمين على المندوبية هو تنفيذ ما جاء في المادة 2 من المرسوم رقم: 385- 2019 الصادر بتاريخ 29 نوفمبر 2019 المتضمن إنشاء المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء-التآزر والمحدد لقواعد تنظيمها وسير عملها، حيث جاء في فقرته الثانية أن المندوبية العامة تكلف بما يلي: 

• المساهمة في تحسين الظروف المعيشية للسكان المستهدفين من خلال تمكينهم من الولوج بشكل أفضل إلى الخدمات الاجتماعية، ولاسيما التعليم والصحة ومياه الشرب والصرف الصحي الأساسي والإسكان اللائق ومصادر الطاقة المستدامة؛

• تيسير ولوج السكان المستهدفين إلى التشغيل اللائق والملكية العقارية وإلى مصادر التمويل من خلال تشجيع المشاريع الصغرى ومنح القروض الصغيرة؛

• دعم زيادة موارد وأرباح الأنشطة الاقتصادية المدرة للدخل لدى السكان المستهدفين؛

• تعزيز تحمل السكان المعرضين لانعدام الأمن الغذائي ونقص التغذية من خلال إنشاء بنى تحتية اقتصادية داعمة؛

• المساهمة في تعبئة المستفيدين لتحسين تشغيل وتسيير البنى التحتية والتجهيزات الاجتماعية والاقتصادية؛

• تسريع الترقية الاجتماعية والمواطنة للسكان المستهدفين؛

• تسهيل تضافر التدخلات في إطار السياسة الوطنية للتضامن والحماية الاجتماعية ومكافحة الفقر؛

• المشاركة في الإصلاح العقاري وتنفيذه.

على الرغم من أن البرنامج لم يقتصر على ما تم ذكره آنفا، فالمحور الأول يركز على تحسين البنى التحتية وتوفير الخدمات الأساسية مثل المساجد، والطرق، والمدارس، والمراكز الصحية، والأسواق، والمساكن الاجتماعية، بالإضافة إلى توفير المياه، والطاقة، والاتصالات، والإنارة العمومية. كما يعنى المحور الثاني بمشاريع الإدماج الاقتصادي، من خلال تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتوفير قروض ميسرة لدعم الأنشطة المدرة للدخل، وإنشاء تجمعات اقتصادية مفيدة للمجتمعات.

وبغض النظر عن تسلسل المحاور التي يرتكز عليها البرنامج وترتيب أهمية مكوناتها تبقى النقطة الأهم والأكثر محورية تلك المتعلقة بالأهداف، فمسألة تحديد الأهداف هي البوصلة التي توجه عمل أي مشروع، وهي المعيار الرئيسي الذي من خلاله يتم تقييم نجاح البرنامج ومتابعة وقياس مستوى الإنجاز فيه. وقد وضع القائمون على برنامج تعمير 5 أهداف شابها التعميم بدلا من التخصيص والشمول عوضا عن التحديد وغابت عنها الشروط الخمسة الضرورية لضمان فعالية الأهداف وتحقيقها، وهي أن يكونالهدف:

1. محدد: فعندما تقول المندوبية أنها تريد بناء مدارس، مساجد، طرق، مراكز صحية ومساكن اجتماعية فهذا مقياس غامض وغير محدد بدقة، فبدلا من ذلك يجب أن يكون الهدف هو بناء 10 مدارس، 8 مساجد، 100 كلم من الطرق المعبدة، 5 مراكز صحية و 3 مساكن اجتماعية، مثلا؛

2. قابل للقياس: وهو ما يمكن من تتبع مقدار التقدم المحرز وبالتالي القدرة على الالتزام بموعد إنجاز كل مرحلة من مراحل الهدف. فعند تحديد بناء 30 مدرسة خلال ثلاث سنين كهدف، يمكن بعد مضي سنة تحري ما إذا كان تم اكتمال 10 مدارس أم أن هناك تقصيرًا أو خللًا في خطة العمل يتطلب التعديل والمراجعة؛

3. قابل للتحقيق: يجب أن يكون الهدف واقعيًا وممكنًا في ضوء الموارد، القدرات المتاحة، الظروف والمدة الزمنية المحددة.

4. ذو صلة: يجب أن يكون الهدف مرتبطًا بمهام ومجال عمل المندوبية واستراتيجيتها، متوافقاً مع الأهداف السابقة التي قامت بتحقيقها، مما يضمن الاستمرار في العطاء والتقدم.

5. محدد زمنيًا: ربما يكون هذا الشرط الوحيد الذي تم التقيد به، حيث جاء في التقديم أن تنفيذ المشروع سيكون على مدى خمسة أعوام.

إذن، أيها القائمون على البرنامج: إذا كنتم تريدون لبرنامج تعمير التعمير فخففوا من التنظير وتجنبوا التمييع وسارعوا إلى الفعل الحقيقي فهو أكثر إقناعا وأبلغ نفعا. وأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكن في الأرض.

أربعاء, 26/02/2025 - 08:43