الربيع الصامت

نتصفح في هذا المقال كتابا لا يليق بناشط بيئي ولا  بمثقف مهتم بقضايا زمانه  جهله ولا جهل كاتبته ، راشيل  كارسن ..، إنه كتاب "الربيع الصامت" .

صدر هذا الكتاب سنة 1962 في الولايات المتحدة،  وتربع فور صدوره على قائمة أكثر الكتب مبيعا وإثارة للرأي العام ،وترجم في ظرف وجيز إلى 30 لغة من بينها العربية التي قام بالترجمة إليها  عالم الاحياء المصري أحمد مستجير سنة 1974 ونال بها جائزة الدولة التشجيعية للعلوم في نفس السنة .

مثل كتاب الربيع الصامت نقلة  تاريخية  ليس  فقط في مجال  الوعي البييئ  بل أيضا  في مجال السياسات ومسار العلوم والصناعة،  وأطلق الشرارة التي فتحت عصر الاحتجاجات البيئية  والتي مازالت جذوتها مستعرة في العالم ..إلى اليوم.. 

يتحدث الكتاب عن مخاطر المبيدات الحشرية  سواء التي تستخدم على نطاق واسع في الفلاحة وحتى تلك المخصصة للاستخدام المنزلي مثل "دى.دى.تى"  و" الدلدرين"، و"الكلودران"  و "البلاثيون" وغيرها وأثارها الجانبية الفتاكة على الاحياء والنباتات ، فعلى سبيل المثال فإن ثلاثة جزيئات من بين كل مليون جزيئ  من "دي.دي تي" كافية لتهييج انزيم مؤكسد في عضلات القلب حسب تجربة على حيوان مخبري،  حسب الكاتبة، وخمس جزيئات فقط من بين كل مليون جزيئ تكفي لما يعرف بتنخر خلايا الكبد أما "الدلدرين" فهو من عائلة الهيدروكربون الخطيرة وهو أخطر خمس مرات من "دي.دي تي" عندما ينتقل عبر الفم وستين مرة عندما يدخل عبر مسام الجلد.  ولكن سيد هذه المركبات بلا منازع – تقول الكاتبة – هو "الارسنيك"، والارسنيك هو معدن ذو مواصفات خاصة، موجود في الطبيعة منذ القدم ويملك خصائص فتاكة وهو بلا طعم ولا رائحة، استخدم عبر التاريخ في الاغتيالات السرية، ويمثل المادة القاعدية للكثير من المبيدات الحشرية بنسب ضئيلة  جدا طبعا ، وهو من المواد المصنفة مخبريا بالمسرطنة . 

 

 ويغوص الكتاب في تفاصيل الكثير من المركبات الكيمائية وتركيباتها و كيفية عملها، والتطويرات المتلاحقة واللامتناهية عليها بسبب تطوير الحشرات لمناعاتها كل مرة و بشكل مستمر وفقا لنظرية الانتخاب الطبيعي التي فسرها داروين منذ أكثر من قرن من الزمن ، وهو ما يعني أن المعركة ضد الحشرات  حسب الكاتبة هي معركة ..بلا نهاية.  

والحقيقة أنه ليس من السهل فهم السر الذي جعل من كتاب يتحدث عن موضوع جاف مثل المبيدات الحشرية الكتاب  العلمي الأكثر إثارة وتأثيرا  في القرن العشرين ..ولكن القارئ  يدرك منذ الصفحات الأولى من الكتاب أنه أمام نوع غير مألوف من الكتب العلمية ، فالكتاب يبدأ بداية شاعرية رقيقة ،  تمسك بالقارئ وتشده بل ترافقه حتى النهاية  لتتحول الحقائق العلمية المدهشة والمخيفة في الكتاب إلى جزء مكمل لا غنى عنه لتحويل  المشاعر المتلاحقة والجياشة إلى قناعات راسخة ،وعزائم متوثبة.

 "راشل كارسن" أرادت ذلك وخططت له ، ونجحت فيه ، لقد أرادت أن   تحشد التأييد لرسالتها وللحقائق العلمية التي توصلت إليها، فهي وإن كانت توصف - وبجدارة - بأنها من "ذلك الفريق من العلماء المهني المدرب في المخابر أحسن تدريب" إلا أنها  كانت أيضا كاتبة رومانسية وشاعرة بالفطرة كتبت في صغرها المقالات وراسلت الصحف و المجلات قبل أن تتحول إلى باحثة متخصصة في علم الأحياء .

ويعكس عنوان الكتاب "الربيع الصامت" ، هذه الرقة الشخصية و اللمسة الرومانسية الطاغية في الكتاب، فالربيع الصامت هو بسبب أن الطيور التي تكانت تصدح وتغرد  لبهجة الربيع  قد قتلتها المبيدات التي ترش على الأشجار لقتل البعوض والحشرات ، فهذه الطيور تتغذى في الغالب على الزهور والحشرات التي تحولت إلى سموم قاتلة بسبب ما يرش عليها من مبيدات وبشكل متواصل ..

يبدأ كتاب الربيع الصامت بتصوير مشاهد من الطبيعة الجميلة قبل أن تأتي  المبيدات التي تزايد استخدامها لحماية المزارع الكبيرة الموجهة إلى التصدير الخارجي 

فمثلا يصور هذا المقطع  الجميل بلدة لا تحددها المؤلفة ولكنها تؤكد على أن  المئات من أمثالها كانت موجودة : 

" كانت البلدة تقع وسط رقعة شطرنج من المزارع المزدهرة ، تحفها البساتين و حقول الحبوب في سفوح التلال ، حيث تتدحرج سحب من الازهار البيضاء فوق الأرض الخضراء.  في الخريف ، كان خشب البلوط والقيقب والبتولا يشعل بريقًا من الألوان يتوهج ويومض عبر خلفية من أشجار الصنوبر. ويسمع المار عواء الثعالب في التلال، ومع الفجر تعبر الغزلان الحقول، نصفها مختبئ في ضباب الصباح. على طول الطرق ، يُسعد السرخس والزهور البرية عين المسافر خلال معظم أيام السنة، حتى في فصل الشتاء ، كانت جوانب الطرق أماكن جميلة ، حيث تأتى أعداد لا تحصى من الطيور لتنقر التوت ولتتغذى  على رؤوس بذور الأعشاب المجففة المستلقية  فوق الثلج."

 

لم تتواصل راشل كارسن  قبل إصدار كتابها مع الحكومة أو المؤسسات المختصة ، غير أنه في الأسابيع الأولى لصدور كتابها بدأت الرسائل تنهال على أعضاء الكونكرس من طرف منتخبيهم في الولايات  الداخلية يحتجون عليهم ويطالبونهم بفعل شيء في هذا الموضوع الذي شكل أزمة حادة شغلت الإعلام لفترة طويلة ، حتى إن الرئيس جون كندي  المشغول في تلك الفترة بالحرب الباردة وصراعاتها ، اضطر تحت الضغط الشعبي والإعلامي للحديث عن موضوع المبيدات وكتاب الربيع الصامت ..وكان من نتائج ذلك إصدار العديد من القوانين والنظم التي ضبطت إنتاج واستخدام هذه المواد ..

خميس, 16/12/2021 - 09:28