
أصدر مركز أودغست للدراسات الإقليمية ورقة تحليلية بعنوان "مستقبل نزاع الصحراء الغربية بعد الفيتو الروسي في ظل التحولات الإقليمية"، تناولت حسابات الأطراف وفرص التسوية واحتمالات التصعيد بعد انتهاء ولاية بعثة المينورسو. وحذرت الورقة من تداعيات اتساع المواجهة على موريتانيا، خصوصا مع تزامن المخاطر على حدودها الشمالية مع الضغوط الأمنية على حدودها مع مالي، واحتمال تعرض أراضيها لمحاولات العبور أو الإمداد من أطراف النزاع أو فاعلين مرتبطين بها.
وأوضحت الورقة أن المخاطر على موريتانيا قد تتجاوز امتداد العمليات العسكرية إلى استخدام مناطق من أراضيها للتحرك أو الإمداد أو الالتفاف على مواقع الخصم. واعتبرت أن لجوء الأطراف إلى فاعلين غير رسميين سيزيد صعوبة تحديد المسؤولية عن الاختراقات، وقد يعرض نواكشوط لاتهامات متعارضة، سواء عجزت عن منع تحرك مسلح أو تدخلت لاعتراضه. وربطت حماية الحياد الموريتاني بالقدرة على ضبط المجال الوطني وتوثيق الحوادث، وبترتيبات تلزم الأطراف باحترام الحدود ومنع استخدامها في المواجهة.
وجاء هذا التحذير ضمن قراءة اعتبرت أن إخفاق مجلس الأمن في اعتماد المشروع الأمريكي ثم البديل الروسي أضعف وسائل احتواء النزاع، دون أن يحسم الخلاف على التسوية. فقد توقفت البعثة وبدأت تصفيتها، فيما استمرت الوساطة السياسية دون اتفاق على بديل يؤدي وظائف المراقبة والاتصال الميداني. ورأت الورقة أن هذا الفصل بين استمرار التفاوض وتراجع القدرة على ضبط المواجهة يوسع مجال سوء التقدير ومحاولات فرض وقائع جديدة.
وفي تفسيرها للموقف الروسي، رجحت الورقة أن اقتران دفع التفاوض نحو الحكم الذاتي بمحاولة تغيير الإطار المؤسسي للبعثة أسهم في انتقال موسكو إلى استخدام الفيتو. واعتبرت أن منع هذا التحول يخدم مصلحتها في الاحتفاظ بالتأثير على شروط التسوية، ويؤكد قيمة دعمها للجزائر والبوليساريو. لكنها أشارت إلى أن إخفاق البديل الروسي كشف الفرق بين القدرة على منع القرار والقدرة على حماية الترتيب القائم، وهو ما يجعل حصيلة التصويت أكثر تعقيدا من اعتبارها انتصارا صافيا لأي طرف.
وعلى مستوى حسابات أطراف النزاع، أبرزت الورقة سعي المغرب إلى تحويل السيطرة الميدانية والتأييد الخارجي والاستثمارات إلى وضع يصعب الرجوع عنه، ونقل التفاوض من الخلاف على السيادة إلى تحديد صلاحيات الحكم داخلها. ورأت أن هذا الرهان يواجه سؤال الضمانات والتنازلات التي تقبل الرباط تقديمها لتحويل التفوق الدبلوماسي إلى اتفاق. وفي المقابل، تنظر الجزائر إلى مآل النزاع ضمن ميزان القوة المغاربي، بينما تواجه البوليساريو معضلة الحفاظ على مشروعها وشرعيتها إذا تقدم مسار يستبعد الاستقلال.
وبحسب الورقة، يخلق اختلاف تقدير كلفة الانتظار أحد أبرز دوافع التصعيد؛ فالمغرب يستطيع الرهان على تراكم مكاسبه، في حين قد يرى خصومه أن استمرار الاتجاه نفسه يضيق خياراتهم ويزيد الحاجة إلى تعطيله. وقد تجد البوليساريو في توسيع القتال وسيلة لإثبات تعذر تجاوزها، رغم خطر استدعاء رد يفوق قدرتها أو التعارض مع رغبة الجزائر في تجنب مواجهة مباشرة.
وربط المركز هذه الحسابات بتحولات الساحل وليبيا، حيث تتداخل الشراكات الأمنية والمصالح الاقتصادية دون أن تتشكل اصطفافات ثابتة. واعتبر أن تعدد الالتزامات قد يشجع الأطراف على ضبط التوتر، لكنه قد يدفعها أيضا إلى التشدد إذا قرأت الضغوط في الساحات المختلفة باعتبارها تهديدا متصلا لنفوذها وأمنها.
ورجحت الورقة في الأمد القريب استمرار الانسداد والعمليات القتالية المحدودة، مع بقاء التفاهم التدريجي ممكنا إذا استند إلى ضمانات قابلة للتنفيذ والتزامات متبادلة. وحذرت من مسار تستخدم فيه الأطراف التصعيد لتحسين شروط التفاوض ثم تفقد القدرة على التحكم في الردود. ووضعت الحرب المباشرة بين المغرب والجزائر ضمن الاحتمالات الأقل ترجيحا، مع تأكيد إمكان نشوئها من تتابع قرارات محدودة، خصوصا عند وقوع خسائر كبيرة أو تغير الانتشار قرب الحدود وتعثر الوساطة.
وخلص مركز أودغست إلى أن استعادة المراقبة والاتصال وضبط الانتشار تمثل الاختبار العملي الأقرب لاتجاه الأزمة. وأكد أن مصلحة موريتانيا تقتضي المشاركة في ترتيبات تمنع انتقال المواجهة إلى أراضيها، قبل أن تفرض التحركات الميدانية أعباء أمنية وضغوطا سياسية جديدة على قرارها.



.jpeg)

.jpeg)