
احتضنت نواكشوط، من 29 إلى 31 أكتوبر، ما تطلق عليه اللغة الإدارية المستحدثة، بمهابة باتت مألوفة، اسم «ملتقى الجاليات الموريتانية».
تمهيدات، وورشات تحضيرية، ومحاور مبهمة عن تربية الأبناء، وصون الهوية، ومتطلبات المستقبل. الطقوس ثابتة، ولا يتغير سوى التاريخ.
لكن ثمة لحظات يقتضي فيها الوعي اتخاذ موقف معاكس، ويغدو فيها الصمت تواطؤًا، والكلام، مهما كان لاذعًا، واجبًا لصون الضمير.
في ماهية الاغتراب
ما الجالية في المهجر؟
ليس السؤال لغويًا، بل هو سؤال في الوجود والمأساة.
فالجالية ليست كيانًا جمعويًا، ولا وصل ترخيص إداري، ولا بطاقة تعريف يُلوَّح بها بتفاخر في صالات المطارات الوثيرة. وليست كتلة إحصائية تُستدعى لأغراض تزيينية.
إنها، بالمعنى الفلسفي الأعمق، حالة وجودية؛ تمزق أصلي ومحاولة دائمة لرتقه. إنها ذلك الجزء من الأمة الذي اضطر إلى اقتلاع نفسه منها، كي لا تنهار الأمة في الداخل. إنها الخارج الذي يُبقي الداخل متماسكًا.
إنها جماعة المصير التي شتتها الاضطرار، لا الهوى؛ والتي تحوّل كل عام، من مونتروي وبروكسل ومدريد وسينسيناتي، من عرقها ودمها، ما يتيح لأسر بأكملها البقاء، حيث تخلّت الدولة عن مسؤولياتها. إنها نزيف يروي، وغياب يُطعم.
والحقيقة أن للجالية دَينًا في ذمة الدولة، ولا تزال الدولة، حتى اليوم، عاجزة عن سداده.
في اغتصاب التمثيل
هنا يجب أن يصبح الكلام أشد حدّة، لأن هنا يكمن أصل الزيف.
باسم أي مسار؟ وبموجب أي انتخابات؟ وبأي اقتراع؟ واستنادًا إلى أي تفويض ملزم صادر عن القاعدة؟ وبأي حق ينتحل البعض هذا الامتياز الفادح: التحدث باسم الجميع؟
منذ سبعة وعشرين عامًا أعيش على أرض فرنسا، وقد أتيح لي أن أشاهد، بانتظام يبعث على خيبة الأمل، المشهد نفسه والإخراج نفسه الذي لا يتغير. لم أرَ، تحت مسمى تمثيل الجالية، سوى استحواذ المصلحة الخاصة على الشأن العام، وتواطؤات قائمة على التقارب، وتزكيات متبادلة بين أصدقاء من المعسكر السياسي نفسه، يخضعون في الغالب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، للحزب ـ الدولة، أيًا كانت تسميته المتغيرة.
ينصّب المرء نفسه، ويعلن نفسه رئيسًا. رئيس جالية هذا البلد أو ذاك؛ لقب طنان وأجوف، بلا هيئة ناخبة، وبلا شرعية سوى تلك التي يمنحها القرب من السلطة المركزية. يحتكر الكلام باسم الجماعة من دون أن يكون قد استشارها يومًا. ويدّعي تجسيد إرادة ثمانين ألف إنسان، فيما يعجز عن تقديم قائمة تحمل توقيعات خمسمائة ناخب.
إنه احتيال أخلاقي، وخيانة رمزية، وحماقة إضافية بالتأكيد، لكنها حماقة باهظة الثمن؛ إذ تُدفع كلفتها من مصداقية جماعة بأكملها وآمالها.
أما الجالية الحقيقية، فأنا أخالطها. ليست جالية الصالونات، بل جالية الذين يستيقظون عند الخامسة صباحًا، ويتدافعون إلى قطارات الضواحي، وينظفون المستشفيات، ويقودون الحافلات، ويعملون في ورش البناء. هذه الجالية الكادحة والصامتة لم تُدعَ يومًا إلى انتخاب أحد.
لم تُعرض عليها قط ورقة اقتراع.
ولا قائمة.
ولا برنامج.
يُطلب منها أن تدفع، ولا يُتاح لها أن تقرر؛ وأن تصمت، ولا يُتاح لها أن تقترح.
فكيف يمكن، والحال هذه، الادعاء بتمثيل جماعة لم تُحصَ يومًا، ولم تُستشر، ولم يُستمع إليها؟
إن ما يُقدَّم إلينا بوصفه ملتقى للجالية ليس، في الحقيقة، سوى ملتقى لجالية رسمية مصطنعة بالكامل، جرى تدجينها وتطويعها. جالية للواجهة، تُستدعى للتصفيق لا للاعتراض. جالية تشبه السلطة، ولا تشبه الشعب.
من أجل إعادة التأسيس
لا نحتاج إلى ملتقى إضافي، بل إلى إعادة تأسيس.
لا إلى ثلاثة أيام من الخطب، بل إلى ثلاث خطوات تأسيسية تُخرجنا من كهف أفلاطون، حيث تخاطب الظلالُ الظلالَ:
أولًا: خطوة الحقيقة.
إجراء إحصاء مستقل، تحت إشراف محضر قضائي وتدقيق دولي، بعيدًا عن أي وصاية وزارية، لنعرف أخيرًا من نحن، وكم عددنا.
ثانيًا: خطوة الشرعية.
انتخاب ممثلينا بالاقتراع العام المباشر، بلدًا بلدًا، ودائرة دائرة. ليكن ممثل الجالية منتخبًا من الجالية، لا معيّنًا من نواكشوط.
ثالثًا: خطوة التحرر.
قطع الحبل السري مع الحزب ـ الدولة. فالجالية ليست فرعًا محليًا للسلطة. إنها، في جوهرها، متعددة وحرة، تتباين آراؤها وتتمرد، وكثيرًا ما تعارض وتغضب؛ وفي ذلك تكمن عظمتها وكرامتها.
وما لم تُنجز هذه الخطوات الثلاث المسبقة، فلن يكون أي ملتقى سوى مسرح للظلال وطقوس للفراغ، فيما يواصل الناس الحقيقيون، في الخارج، النزف والعمل والأمل.
نحن الذين أمضينا سبعة وعشرين عامًا نراقب هذه اللعبة، لم نعد نؤمن بالملتقيات؛ إننا نؤمن بالكرامة.
والكرامة تبدأ بكلمة بسيطة، مؤثرة، فلسفية، وحاسمة: لا.
سيد احمد اخليل
بريست، 29 أكتوبر 2026



.jpeg)

.jpeg)