حزب الإنصاف يفتح نقاش المأمورية الثالثة.. هل بدأ اختبار تعديل الدستور؟

انتقل الجدل بشأن المأمورية الرئاسية الثالثة في موريتانيا إلى مرحلة جديدة، بعدما دعا حزب الإنصاف الحاكم إلى إدراج مطالب قواعده المتعلقة باستمرار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ضمن القضايا المطروحة على الحوار الوطني المرتقب، في خطوة تثير تساؤلات بشأن ما إذا كان الحزب يمهد لتحويل الدعوات السياسية إلى مسار يستهدف مراجعة الأحكام الدستورية المنظمة لتداول السلطة.

وجاء هذا التوجه عقب اجتماع عقده رئيس الحزب، محمد ولد بلال مسعود، مساء الاثنين 26 أكتوبر، مع رؤساء المجالس الجهوية، خُصص لبحث التحضيرات للحوار الوطني، واستعراض نتائج الجولات الميدانية التي نفذتها بعثات الحزب في مختلف الولايات.

وقال الحزب، في بيان صادر عقب الاجتماع، إن اللقاء تناول مطالب عبّر عنها منتخبون وأطر ومناضلون باستمرار نهج الرئيس الغزواني، مشيرًا إلى أن المكتب السياسي سبق أن قرر دراسة هذه المطالب والإجراءات المناسبة للاستجابة لها.

وأكد المجتمعون أهمية طرح هذه المطالب خلال الحوار الوطني، وبحث الإصلاحات المؤسسية والديمقراطية المرتبطة بها.

 

 

من الدعوات الفردية إلى المؤسسات الحزبية

 

لا يمثل اجتماع الاثنين أول تناول رسمي لحزب الإنصاف لموضوع المأمورية الثالثة، لكنه يكشف استمرار انتقال الملف عبر مستويات مختلفة من هياكله التنظيمية.

ففي سبتمبر الماضي، كلف المكتب السياسي اللجنة الدائمة بدراسة المطالب التي نقلتها بعثات الحزب من الولايات بشأن استمرار الغزواني في الحكم.

وفي السادس من أكتوبر، أعلنت اللجنة الدائمة أن دراسة الإجراءات المناسبة للاستجابة لهذه المطالب ستأخذ مسارها عندما تتهيأ الظروف الملائمة، في إطار المسارات السياسية والدستورية ذات الصلة.

أما الاجتماع الأخير، فقد أضاف عنصرًا جديدًا يتمثل في الدعوة إلى طرح هذه المطالب ضمن الحوار الوطني المرتقب.

ويثير هذا التسلسل سؤالًا بشأن ما إذا كانت قيادة الحزب تسعى إلى اختبار مدى قبول الفكرة داخل الأغلبية السياسية، قبل الانتقال إلى موقف رسمي أكثر وضوحًا.

ومع ذلك، لم يعلن الحزب حتى الآن تبني مشروع لتعديل الدستور أو تقديم مبادرة قانونية تسمح للرئيس الغزواني بالترشح لمأمورية ثالثة.

 

 

ماذا يقول الدستور؟

 

تواجه الدعوات إلى المأمورية الثالثة عقبة دستورية تتجاوز مجرد الحصول على أغلبية برلمانية أو تنظيم استفتاء شعبي.

فالمادة 28 من الدستور الموريتاني تحدد مدة المأمورية الرئاسية بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.

أما المادة 99، المتعلقة بمراجعة الدستور، فتمنع الشروع في أي إجراء يستهدف المساس بمبدأ التناوب الديمقراطي على السلطة، وبالمبدأ الملازم له الذي يحدد مدة ولاية رئيس الجمهورية بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.

وبذلك، لا يتعلق الأمر بنص يحدد عدد المأموريات فحسب، بل بحكم يتمتع بحماية دستورية خاصة من المراجعة.

وهذه النقطة هي التي تجعل الحديث عن مأمورية ثالثة مختلفًا عن النقاشات المعتادة بشأن تعديل الدستور، لأن الإشكال لا يقتصر على كيفية تمرير التعديل، وإنما يتعلق بإمكانية الشروع فيه أصلًا.

وقد أكد قانونيون موريتانيون، من بينهم عميد كلية القانون والاقتصاد والتسيير بجامعة نواذيبو الدكتور محمدو ولد محمد المختار، أن الأحكام المتعلقة بعدد المأموريات لا يمكن تجاوزها من خلال إجراءات المراجعة الدستورية العادية.

 

 

الحوار الوطني أمام اختبار جديد

 

يأتي طرح ملف استمرار الغزواني بالتزامن مع التحضيرات للحوار الوطني الذي يفترض أن يناقش قضايا الإصلاح السياسي والمؤسسي.

وبحسب بيان الإنصاف، تناول اجتماع الاثنين خارطة الطريق والدليل المرجعي للحوار، والترتيبات المتعلقة بلجنة الإشراف وآلية اختيار ممثلي الأغلبية.

لكن إدراج مطالب استمرار الرئيس ضمن القضايا المطروحة للنقاش قد يفتح خلافًا بشأن طبيعة الحوار وحدود الإصلاحات التي يمكن أن يتناولها.

فبينما يقدم الحزب الحاكم هذه المطالب باعتبارها تعبيرًا عن رغبة قواعده في مواصلة المشروع السياسي والتنموي للرئيس، ترى أطراف معارضة أن الحديث عن المأمورية الثالثة يمس أحد الضمانات الأساسية للتناوب السلمي على السلطة.

وكان حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل» قد اتهم الإنصاف بالترويج للمأمورية الثالثة تحت عنوان المطالب الشعبية، محذرًا من انعكاس ذلك على الثقة بين الأطراف المشاركة في التحضير للحوار.

ويبرز هنا فارق أساسي بين استمرار السياسات والبرامج الحكومية، وهو أمر يمكن تحقيقه عبر أحزاب وحكومات متعاقبة، واستمرار الرئيس نفسه في السلطة بعد استنفاد المأموريتين المسموح بهما دستوريًا.

 

 

هل يجري اختبار ردود الفعل؟

 

يمكن قراءة التطورات الأخيرة من زاويتين مختلفتين.

 

الأولى أن حزب الإنصاف يسعى إلى استيعاب المطالب التي عبّرت عنها قواعده، وإدراجها في نقاش سياسي أوسع دون أن يكون قد حسم موقفه من المأمورية الثالثة.

 

أما الثانية، فهي أن تكرار تناول الملف داخل المؤسسات القيادية للحزب، وربطه بالإصلاحات الدستورية والحوار الوطني، قد يمثل محاولة لاستكشاف ردود الفعل السياسية والقانونية قبل اتخاذ موقف نهائي.

وتظل طبيعة الخطوات المقبلة، والصياغة التي سيعتمدها الحزب في وثائقه الرسمية، مؤشرين مهمين لتحديد الاتجاه الفعلي للنقاش.

 

 

ما موقف الرئيس؟

 

انتُخب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني عام 2019، ثم أعيد انتخابه عام 2024 لمأمورية ثانية تنتهي سنة 2029.

ولم يعلن الرئيس تبنيه دعوات الترشح لمأمورية ثالثة، كما لم يصدر عنه قرار رسمي بتكليف جهة بإعداد مشروع لمراجعة الأحكام الدستورية المتعلقة بالمأموريات.

ويجعل غياب موقف رئاسي جديد وحاسم من الضروري التمييز بين مطالب بعض مكونات الأغلبية، والموقف الرسمي لرئيس الجمهورية.

ومع ذلك، فإن استمرار مناقشة الموضوع داخل الحزب الحاكم يمنحه حضورًا متزايدًا في المشهد السياسي، وقد يجعله أحد الملفات المؤثرة في التحضير للحوار الوطني.

 

 

بين الإرادة السياسية والقيود الدستورية

 

تضع التطورات الأخيرة حزب الإنصاف أمام سؤال يتعلق بمدى إمكانية التوفيق بين مطالب قواعده، كما يعرضها الحزب، والأحكام الدستورية التي تنظم تداول السلطة.

كما تضع الحوار الوطني أمام تحدٍ يتعلق بحدود الإصلاح المؤسسي، وما إذا كان يمكن أن يشمل قضايا حصّنها الدستور من المراجعة.

فحتى إذا توفرت إرادة سياسية واسعة لمناقشة المأمورية الثالثة، فإن ذلك لا يحسم الإشكال القانوني الذي تطرحه المادة 99.

وفي انتظار موقف أكثر وضوحًا من قيادة الحزب والرئاسة، يظل النقاش مفتوحًا على أسئلة تتعلق بطبيعة المطالب المطروحة، وآليات التعامل معها، وتأثيرها على الثقة بين السلطة والمعارضة.

والسؤال الذي تطرحه المرحلة الحالية لم يعد فقط ما إذا كانت بعض مكونات الأغلبية تريد مأمورية ثالثة للغزواني، بل ما إذا كان حزب الإنصاف يسعى إلى تحويل هذه الرغبة إلى مشروع سياسي رسمي، وكيف سيتعامل مع الحظر الدستوري الصريح على مراجعة عدد المأموريات الرئاسية؟

 

مولاي ولد سيد احمد 

ثلاثاء, 27/10/2026 - 13:37