تازيازت توفر 44% من إيرادات التعدين.. إلى أي حد تعتمد خزينة موريتانيا على ذهبها؟

أرقام رسمية جديدة تكشف الوزن المالي الكبير لمنجم تازيازت، وتثير تساؤلات بشأن نصيب الدولة من عائدات الذهب، ومدى استفادة الاقتصاد المحلي من نشاط إحدى أكبر شركات التعدين في البلاد.

كشفت وزارة المعادن والصناعة الموريتانية أن منجم تازيازت للذهب يمثل 44% من إجمالي الإيرادات التعدينية للدولة، في مؤشر على الأهمية المالية التي اكتسبها المنجم في الاقتصاد الوطني، وعلى حجم اعتماد الإيرادات العمومية المرتبطة بالتعدين على نشاط شركة واحدة.

وجاءت هذه المعطيات ضمن إحصائيات نشرتها الوزارة، الاثنين 26 أكتوبر، بعد أيام من زيارة وزير المعادن والصناعة إدي ولد الزين لمنشآت الشركة بولاية إينشيري، ومباحثات أجراها وزير المالية مع مسؤولي شركة كينروس الكندية، المالكة للمنجم، بشأن مساهمتها في إيرادات الميزانية.

غير أن الوزارة لم تحدد الفترة الزمنية التي تخصها نسبة 44%، كما لم تكشف القيمة الإجمالية للإيرادات التعدينية التي احتُسبت على أساسها، وهو ما يجعل من الصعب تحديد ما إذا كانت النسبة تتعلق بعام 2025 أو بفترة أخرى.

 

 

266 مليون دولار في عام واحد

 

بحسب البيانات المنسوبة إلى شركة كينروس، بلغت المدفوعات التي قدمتها تازيازت للدولة الموريتانية خلال عام 2025 نحو 266.1 مليون دولار، مقابل 195.9 مليون دولار في عام 2024.

ويمثل ذلك ارتفاعًا بنحو 70.2 مليون دولار، أي ما يقارب 35.8% خلال عام واحد.

وتشمل هذه المدفوعات الضرائب والإتاوات والرسوم وغيرها من الالتزامات المالية، ولا تعني أن الدولة حصلت على هذا المبلغ باعتباره أرباحًا صافية من المنجم.

كما تشير بيانات الشركة إلى أن مجموع مساهماتها المالية للدولة منذ عام 2010 تجاوز 1.7 مليار دولار.

وتكشف هذه الأرقام أهمية تازيازت بالنسبة إلى الموارد العمومية، لكنها لا تكفي وحدها لتقييم عدالة توزيع العائدات بين الدولة والمستثمر، إذ يتطلب ذلك معرفة قيمة الذهب المنتج والمباع، وتكاليف التشغيل والاستثمار، والأرباح المحققة، والالتزامات الضريبية والتعاقدية.

 

 

منجم واحد ونحو نصف إيرادات التعدين

 

تمثل نسبة 44% التي أعلنتها وزارة المعادن مؤشرًا لافتًا على تركّز الإيرادات التعدينية في عدد محدود من المشاريع الكبرى.

ويضم قطاع التعدين الموريتاني، إلى جانب الذهب، أنشطة لاستخراج الحديد والنحاس ومعادن أخرى، ما يجعل مساهمة تازيازت بهذا الحجم عاملًا مهمًا في تقييم هيكل الإيرادات العمومية.

لكن هذا التركّز يطرح أيضًا مخاطر مرتبطة بتقلبات أسعار الذهب العالمية، ومستويات الإنتاج، وتكاليف التشغيل، والعمر الاقتصادي للمنجم.

فكل تغير كبير في إنتاج تازيازت أو مدفوعاتها يمكن أن ينعكس على الإيرادات المرتبطة بقطاع التعدين، وإن كانت درجة التأثير على الميزانية العامة تتوقف على الوزن الفعلي لهذه الإيرادات ضمن مجموع موارد الدولة.

ومن المهم هنا التمييز بين حصة تازيازت من الإيرادات التعدينية، البالغة 44% وفق الوزارة، وحصتها من الإيرادات العامة للدولة، وهي نسبة مختلفة لم تتضمنها المعطيات المنشورة.

 

 

توسع الإنتاج والعمر المتوقع للمنجم

 

أظهرت الأرقام التي قدمتها الوزارة أن قدرة مصنع تازيازت على معالجة الخام ارتفعت من 15 ألف طن يوميًا عام 2018 إلى 24 ألف طن يوميًا خلال عام 2025.

ويمثل ذلك زيادة بنحو 60% في كمية الخام المعالج يوميًا.

غير أن ارتفاع كمية الخام المعالج لا يعني بالضرورة ارتفاع إنتاج الذهب بالنسبة نفسها، لأن حجم الذهب المستخرج يعتمد أيضًا على نسبة تركيز المعدن في الخام وكفاءة عمليات المعالجة والاستخلاص.

وبحسب الوزارة، يمتد العمر الإنتاجي المتوقع للمنجم حتى عام 2033.

ويثير هذا الأفق الزمني تساؤلات بشأن مستقبل مساهمة تازيازت في الإيرادات العمومية خلال السنوات المقبلة، والخيارات المتاحة لتعويض أي تراجع محتمل في الإنتاج أو المدفوعات مع تقدم عمر المنجم.

 

 

أربعة آلاف فرصة عمل و230 مؤسسة موريتانية

 

على مستوى التشغيل، أعلنت الوزارة أن تازيازت توفر أكثر من أربعة آلاف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، وأن الموريتانيين يمثلون 97.9% من إجمالي العاملين بالشركة.

كما تتجاوز نسبة الموريتانيين في المناصب الإدارية 70%، فيما ارتفع عدد النساء العاملات بأكثر من 88% منذ عام 2020.

وأضافت الوزارة أن أكثر من 230 مؤسسة أعمال موريتانية تتعامل مع الشركة، في إطار أنشطة التموين والخدمات والمشتريات.

وتعكس هذه الأرقام حضورًا للشركة في سوق العمل والاقتصاد المحلي، لكنها تطرح الحاجة إلى نشر بيانات أكثر تفصيلًا بشأن قيمة العقود الممنوحة للمؤسسات الوطنية، وطبيعة الخدمات التي تقدمها، ونسبة القيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد الموريتاني.

فعدد الشركات المتعاقدة وحده لا يكشف حجم استفادتها الاقتصادية، كما أن نسبة العمالة الوطنية لا توضح توزيع الأجور والمناصب الفنية والإدارية بين مختلف الفئات.

 

 

28 مليون دولار للمجتمعات المحلية

 

قالت وزارة المعادن إن تازيازت استثمرت أكثر من 28 مليون دولار في برامج ومشاريع مجتمعية خلال الفترة الممتدة من 2011 إلى 2025.

وتشمل هذه المساهمات مبادرات موجهة إلى التنمية المحلية في المناطق المرتبطة بنشاط المنجم.

غير أن هذه الحصيلة تأتي في ظل مطالب متكررة من المنتخبين المحليين بزيادة استفادة سكان ولاية إينشيري من النشاط التعديني.

وخلال زيارة وزير المعادن الأخيرة، دعا رئيس جهة إينشيري إلى تعزيز البرامج التنموية ومنح الأولوية للشباب المحلي في فرص العمل، فيما اعتبر عمدة بنشاب أن تدخلات الشركة لا تزال دون التطلعات.

ويعيد هذا التباين بين الأرقام المعلنة والتقييم المحلي للمشاريع الاجتماعية طرح سؤال بشأن كيفية تحديد أولويات الإنفاق التنموي، ومدى مشاركة السكان والمنتخبين في اختيار المشاريع وتقييم نتائجها.

 

 

ما الذي لا تكشفه الأرقام؟

 

رغم أهمية البيانات التي نشرتها الوزارة، فإنها لا تقدم صورة مكتملة عن المردودية الاقتصادية والمالية لمنجم تازيازت.

فمعرفة نصيب الدولة الحقيقي من الثروة المستخرجة تتطلب نشر معطيات متكاملة عن قيمة الإنتاج السنوي، وحجم المبيعات، والتكاليف القابلة للخصم، والأرباح الخاضعة للضريبة، والإتاوات، والضرائب المسددة فعليًا.

كما يتطلب تقييم مساهمة المنجم في التنمية الوطنية التمييز بين المشتريات المحلية التي تولد قيمة مضافة داخل موريتانيا، والمشتريات التي تمر عبر شركات موريتانية لكنها تعتمد أساسًا على سلع وخدمات مستوردة.

وتبرز كذلك أهمية الرقابة المستقلة على حسابات الإنتاج والتكاليف، باعتبارها عنصرًا أساسيًا لضمان احتساب المستحقات المالية للدولة وفق القوانين والاتفاقيات المعمول بها.

ولا تعني هذه التساؤلات وجود مخالفات مثبتة، وإنما تتعلق بالحاجة إلى مزيد من الشفافية في قطاع يشكل مصدرًا مهمًا للموارد العمومية.

 

 

ثروة كبيرة وأسئلة مفتوحة

 

تؤكد الأرقام الجديدة أن تازيازت أصبحت أحد أهم مصادر الإيرادات التعدينية في موريتانيا، وأن مساهمتها تتجاوز المدفوعات المباشرة إلى التشغيل والمشتريات والخدمات والمشاريع الاجتماعية.

لكن الوزن المالي الكبير للمنجم يجعل من الضروري الانتقال من الإعلان عن نسب المساهمة إلى نشر بيانات سنوية مفصلة تسمح بتقييم مردوديته ومقارنة عائداته بحجم الثروة المستخرجة.

ويبقى السؤال الأساسي: إذا كان منجم تازيازت يوفر وحده 44% من الإيرادات التعدينية للدولة، فما القيمة الفعلية التي تحصل عليها موريتانيا من ذهبها، وكيف يمكن ضمان تحويل هذه الموارد إلى تنمية مستدامة، خصوصًا في المناطق التي تحتضن النشاط المنجمي

ثلاثاء, 27/10/2026 - 13:04