منتدى الجاليات الموريتانية.. من تعهد انتخابي إلى التزام رئاسي يؤسس لشراكة جديدة 

تستعد نواكشوط لاحتضان المنتدى الأول للجاليات الموريتانية أيام 29 و30 و31 أكتوبر الجاري، في محطة سياسية وتنموية طال انتظارها، تنفيذًا لتعهد أعلنه فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وحرصت وزارة الخارجية على تنفيذه باعتباره التزاما سياسيا يتصدر أجندتها المدرجة على قائمة "طموحي للوطن"، ولكونه ذي صلة مباشرة بثلاثة محاور من 157  إصلاحاً ومشروعاً هيكلياً تضمنها برنامج فخامة الرئيس في مأموريته الثانية.

ورغم حصول تجربة أو تجارب سابقة مماثلة، تبقى هذه المحطة الأكثر إثارة للاهتمام، والفرصة الأولى بالاغتنام، لعدة اعتبارات ليس أقلها السعي إلى خلق فضاء للتواصل والتبادل بين الدولة وأفراد جاليتها عبر العالم، ولكونه تجسيدلحرص فخامة رئيس الجمهورية على تعزيز صلة الجاليات في الخارج بالوطن، وترسيخ مكانة هذه الجاليات كشريك في التنمية، وتعزيز مساهمتها في بناء مستقبل الدولة، والإسهام في الإجابة على السؤال الذي طرحه، أو أعاد فخامة الرئيس طرحه خلال زيارته الأخيرة لمدينة أطار: إلى أين نسير؟ من خلال الجلسات وورش العمل والنقاشات التي ستجمع ممثلي الجاليات والجهات الرسمية في الدولة والقطاع الخاص والشركاء في التنمية.

تقول أحدث المعطيات حول أعداد الموريتانيين في الخارج إن عددهم يتجاوز نصف مليون، وليس 400 ألف كما تقول بعض الإحصائيات الرسمية، حوالي 15 إلى 20 % منهم أصحاب شهادات ومؤهلات عليا، ما بين أساتذة أكاديميين وأطباء ومهندسين وأخصائيين في مجالات حيوية مختلفة، واستناداً إلى أحدث البيانات الصادرة عن البنك الدولي، تبلغ التحويلات المالية الرسمية المسجلة للمغتربين الموريتانيين في الخارج نحو 94.5 مليون دولار أمريكي سنويا،  بمعدل يفوق   1% من الناتج المحلي الإجمالي لموريتانيا، مع أن هذا الرقم يعكس فقط معطيات القنوات المصرفية الرسمية، بينما التأثير الاقتصاديالحقيقي والفعلي للجاليات أعلى بذلك بكثير. ومن هنا نستخلص الدور الكبير الذي تقوم به هذه الجاليات في التنمية المحلية ودعم جهود الحكومة بصفة غير مباشرة، ولعل هذا ما يبرر الصمود الشعبي في وجه العديد من التحديات والأزمات البنيوية المرتبط بعضها بمشكلاتنا الداخلية، والمرتبط بعضها الآخربالأزمات العالمية، كارتفاع أسعار الطاقة، والتوترات الجيوسياسية، وهشاشة البنية الهيكلية للاقتصاد العالمي.

إن الاهتمام بالجاليات وتفعيل دورهم لم يعد مجرد حديث عابر، أو بندا دعائيا ثابتا ضمن برنامج انتخابي، بل أصبح أولوية تنموية تفرضها ضرورات العصر ومعطيات الواقع، وهذا التحول المستجد، والاهتمام الذي سيتجسد بعد أيام بافتتاح فخامة رئيس الجمهورية لهذا المنتدى، ينبغي أن يتجسد في مخرجات واقعية وذات قيمة مضافة للدولة من جهة، وللجاليات من جهة أخرى، و لن يتحقق ذلك إلا من خلال استثمار هذا الحضور، واستخلاص أهم الرؤى والأفكار التي سيتم طرحها خلال الجلسات وورش العمل ، واستحضار إرادة جديدة ومبتكرة لاستثمار هذه المخرجات وضمان تنفيذها، ومواكبتها لاحتياجات التنمية الوطنية من جهة، وتلبيتها لتطلعات الجاليات من جهة أخرى. 

ومن هنا لا تبدو أهمية هذا المنتدى في كونه تجمعًا للمغتربين الموريتانيين فحسب، وإنما في كونه محاولة لإعادة تعريف موقع الجاليات في المشروع الوطني، وهذا يدفعنا إلى التساؤل: هل نحن مجرد مواطنين من درجة ثانية يقيمون خارج الحدود ومنتهى تطلعاتهم توفير خدمات قنصلية، أم أننا كمبشري مؤثر، ورصيد اقتصادي معتبر، وعمق وامتداد ثقافي متجذر، ومن هنا يتضح ما لهذه الجاليات من دور مهم يمكن أن يشكل في المجمل أحد أهم روافع وروافد التنمية، ضفوا إلى ذلك كون هذه الجاليات أصبحت خزانا انتخابيا لا يستهان به في ترجيح الكفات، والمبارزة السياسية واستعراض العضلات. ومن ثم يكون التحدي الأكبر أمام المنتدى ليس حسن التنظيم، ولا كثافة الحضور فحسب، وإنما ما سيحدثه من فرق بعد انتهاء أيامه الثلاثة.

هذا الفرق المتوقع يقودنا إلى السؤال عن تصورنا لما يمكن أن يتمخض عنه هذا المنتدى. وفي ذلك نرى أنه من المفترض أن يكون هذا اللقاء أساسا لمرحلة جديدة، نتوقع خلالها إنشاء آلية وطنية دائمة تُعنى بشؤون الجاليات وتُتابع تنفيذ المخرجات، مع إصدار تقارير سنوية توضح مستوى التقدم في تنفيذ الالتزامات. ونتوقع كذلك إنشاء قاعدة بيانات وطنية للكفاءات الموريتانية في الخارج، لا بهدف حصر الأسماء فقط، وإنما للتعرف على الاختصاصات والخبرات ومواقع وجودها، وفتح قنوات عملية للاستفادة منها في الجامعات والإدارة والقطاع الخاص والمشاريع الوطنية.

وفي المجال الاقتصادي، يحتاج خطاب الاستثمار لدينا إلى الانتقال من مرحلة الدعوة والاستقطاب إلى مرحلة التحفيز والاستيعاب، فالمستثمر الموريتاني في الخارج يحتاج إلى إجراءات مبسطة، ونافذة موحدة، ومعلومات دقيقة، وحماية قانونية، وحوافز تجعله يرى في الاستثمار داخل بلده فرصة حقيقية لا مغامرة غير محسوبة العواقب، كما نتطلع إلى إدماج الموريتانيين في الخارج بوطنهم بمنح الكفاءات والكوادر حوافز (قطع أرضية مثلا) كما هي حال نظرائهم في الداخل، وتحفيزهم كذلك بمنح تسهيلات في الاقتراض والتمويل.

أما في مجال الخدمات القنصلية، فنتوقع أن تواكب هذه الخدمات التطور التقني، بما يسمح للمواطن في الخارج بإنجاز أكبر قدر ممكن من معاملاته عن بعد، وفي هذا الصدد نثمن إطلاق تطبيق (هويتي) الذي ساهم في حل العديد من مشكلات الجاليات في الخارج. 

وحتى لا تبقى الجاليات هياكل مغلقة على نفسها، يفترض أن يُفسح المجال أمامها بصورة أكبر، أمام الشباب والنساء والكفاءات، وأن يتم تشجيع المبادرات الثقافية والعلمية والاقتصادية التي تربط الموريتانيين في الخارج بوطنهم.

وفي الجانب الثقافي والدبلوماسي، نتوقع فتح نافذة جديدة تسمح للجاليات بأنتؤدي دورًا أكبر في التعريف بموريتانيا، وتعزيز مصالحها، وبناء جسور للتواصل مع المجتمعات التي تعيش فيها، بما يجعلها تؤدي دور سفارتها الثقافية بالقدر المستطاع. ومن هنا أدعو وزارة الخارجية لتفعيل الدبلوماسية الثقافية وإطلاق مراكز ثقافية تكون منابر إشعاع للثقافة الموريتانية، وفي سبيل ذلك أطالبها بتبني مركز أزلاي الثقافي الموريتاني ودعمه في دولة قطر ومنطقة الخليج عموما، نظرا لما قدمه، ويقدمه من نشاط ودور بارز في خدمة ثقافة البلد، وخدمة الجالية، مما جعل منه قصة نجاح رائدة تستحق التشجيع والتثمين. ونحن سعداء بأن وزير الثقافة والناطق باسم الحكومة يشاركنا هذا الهم ويتقاسمه معنا، كما نستشعر نفس النفَس لدى معالي وزير الخارجية، والأمين العام للوزارة، وطاقم المديرية العامة للموريتانيين في الخارج بوزارة الخارجية، الذين يشاركونا نفس التطلعات والطموحات الثقافية. 

وفي حال تمكنا من تحقيق هذه المخرجات أو بعضها، لا يكون منتدى الجاليات مجرد فعالية تصنف ضمن مبادرات البروباغندا السياسية، بل باعتباره نقطة انطلاق لخطة عمل مدروسة، واستراتيجية وطنية متكاملة تجاه الموريتانيين في الخارج. فالنجاح الحقيقي لن يكون في عدد المشاركين، ولا في عدد التوصيات، وإنما في قدرة الدولة والجاليات معًا على تحويل هذه التوصيات إلى مبادراتومشاريع قابلة للتنفيذ.

وإذا نجح المنتدى في تحقيق هذه المخرجات أو بعضها كذلك، فقد يكون أحد أهم مخرجات المرحلة الحالية، لأنه لن يكون مجرد وفاء بتعهد انتخابي، بل خطوة باتجاه بناء علاقة جديدة بين موريتانيا وأبنائها في الخارج، تقوم على الثقة والشراكة والمصلحة المتبادلة. وبذلك نجيب على سؤال جوهري وهو: كيف نحول هذا الامتداد للكفاءات الموريتانية في الخارج إلى قوة وطنية تخدم البلد، وإعادة تعريف الوطن كذلك، وإعادة تعريف مكانته السامية كحاضنة تستقطب وتعطي لأبنائها في إطار مؤسسي يقوم على الشراكة والنفع المتبادل.

 

سيدي محمد ولد البكاي 
خبير إعلامي

اثنين, 26/10/2026 - 21:56