
أعادت وزيرة التجارة، زينب بنت أحمدناه، الجدل بشأن المأمورية الرئاسية الثالثة إلى واجهة النقاش السياسي في موريتانيا، بعدما دعت صراحة إلى استمرار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في الحكم بعد انتهاء مأموريته الحالية، في موقف يكتسب دلالة خاصة لصدوره عن عضو في الحكومة، وليس عن شخصية سياسية من خارج السلطة التنفيذية.
واعتبرت بنت أحمدناه، في تدوينة نشرتها مساء الأحد، أن منح الرئيس الغزواني مأمورية ثالثة يمثل «ضرورة وطنية»، بالنظر إلى ما وصفته بالتحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجه البلاد، وحاجتها إلى قيادة تمتلك الخبرة والقدرة على المحافظة على الاستقرار ومواصلة الإصلاحات.
ولم تكتف الوزيرة بالدفاع عن استمرار الرئيس، بل شككت أيضًا في جاهزية البدائل السياسية المطروحة، سواء داخل الأغلبية أو المعارضة، معتبرة أن المشهد الحالي لا يقدم، في تقديرها، مشاريع اقتصادية أو رؤى قيادية أكثر إقناعًا.
غير أن اللافت في موقف بنت أحمدناه هو جمعها بين الدعوة إلى مأمورية ثالثة والتأكيد على ضرورة احترام الدستور والمؤسسات والإرادة الشعبية، دون توضيح الكيفية القانونية التي يمكن أن يتحقق بها هذا التوجه في ظل القيود الدستورية القائمة.
فالمادة 28 من الدستور الموريتاني تنص على إمكانية إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمرة واحدة فقط، بينما تحظر المادة 99 الشروع في أي مراجعة دستورية تمس مبدأ التناوب الديمقراطي على السلطة أو القاعدة المحددة للمأموريات الرئاسية.
كما تتضمن اليمين الدستورية، المنصوص عليها في المادة 29، تعهدًا صريحًا من رئيس الجمهورية بعدم اتخاذ أو دعم أي مبادرة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من شأنها مراجعة الأحكام المتعلقة بمدة المأمورية الرئاسية وشروط تجديدها.
وتطرح هذه الأحكام إشكالًا دستوريًا يتجاوز مجرد توفر الإرادة السياسية أو الشعبية، إذ إن النص القائم لا يكتفي بتحديد عدد المأموريات، وإنما يمنح هذا التحديد حماية خاصة من المراجعة عبر الإجراءات الدستورية العادية.
ويأتي موقف وزيرة التجارة في وقت تتزايد فيه التصريحات السياسية بشأن مستقبل الحكم بعد عام 2029، بالتزامن مع التحضيرات للحوار الوطني المرتقب، الذي لم تتضح بعد جميع القضايا التي ستناقش خلاله.
ويكتسب تصريح بنت أحمدناه أهمية إضافية بالنظر إلى موقعها داخل الحكومة، وإعادة تعيينها في منصب وزيرة التجارة والسياحة خلال التشكيلة الحكومية الأخيرة، ما يطرح تساؤلات بشأن ما إذا كانت دعوتها تعبر عن موقف شخصي، أم أنها مؤشر على وجود نقاش أوسع داخل دوائر الأغلبية بشأن مستقبل السلطة.
ومع ذلك، لا توجد حتى الآن مؤشرات كافية للقول إن الحكومة تبنت خيار المأمورية الثالثة، أو إن الرئيس الغزواني أعطى موافقته على أي مبادرة بهذا الاتجاه.
ويظل التمييز ضروريًا بين موقف سياسي تعلنه وزيرة بصفتها الشخصية، وبين توجه رسمي للدولة يستدعي إجراءات ومواقف مؤسسية واضحة.
لكن دخول عضو في الحكومة على خط الدعوة إلى مأمورية ثالثة يمنح النقاش بعدًا سياسيًا جديدًا، خصوصًا أنه يأتي في مرحلة يفترض أن ينصب فيها اهتمام الأغلبية والمعارضة على تهيئة الظروف لحوار وطني يتناول القضايا السياسية والمؤسسية الكبرى.
ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه الدعوة ستظل موقفًا فرديًا ضمن سجال سياسي متصاعد، أم ستفتح الباب أمام مواقف مماثلة من شخصيات أخرى داخل السلطة، بما قد يجعل قضية المأموريات أحد أبرز محاور التجاذب السياسي خلال المرحلة المقبلة؟
مولاي ولد سيد احمد



.jpeg)

.jpeg)