الاقتصاد ينمو والفقر يتسع.. أين تذهب ثمار الغاز والذهب في موريتانيا

أقلام – قراءة تحليلية

 

في الوقت الذي تستعد فيه موريتانيا لتسجيل نمو اقتصادي مدفوع بارتفاع إنتاج الغاز والذهب، تكشف أحدث توقعات البنك الدولي عن مفارقة لافتة: الاقتصاد يتوسع، لكن عدد الفقراء يتجه بدوره إلى الارتفاع، والقدرة الشرائية للأسر تتراجع تحت ضغط الأسعار.

هذه المفارقة، التي يبرزها تقرير «آفاق الاقتصاد الكلي والفقر» الصادر في أكتوبر 2026، تعيد طرح سؤال يتجاوز المؤشرات الاقتصادية المجردة: لماذا لا تنعكس زيادة إنتاج الثروات الطبيعية بالقدر الكافي على حياة الموريتانيين، وأين تذهب ثمار النمو الاقتصادي؟

 

 

نمو في الأرقام.. وفقر في الواقع

 

يتوقع البنك الدولي أن يحقق الاقتصاد الموريتاني نمواً بنسبة 4.6% خلال سنة 2026، مقابل 3.6% في العام الماضي، مدفوعاً أساساً بزيادة إنتاج الغاز والذهب.

لكن هذا التحسن لا يقابله تطور مماثل في الأوضاع المعيشية. فالتقرير يتوقع ارتفاع معدل الفقر من 23.6% سنة 2025 إلى 24.1% خلال 2026، بما يعني دخول نحو 60 ألف موريتاني إضافي دائرة الفقر.

والأكثر إثارة للقلق أن البنك يتوقع وصول نسبة الفقر إلى 25.1% بحلول 2028، أي نحو 1.5 مليون شخص، رغم استمرار إنتاج الغاز والاستثمارات العمومية.

ولا تعكس هذه الأرقام مجرد اختلال ظرفي مرتبط بارتفاع الأسعار، بل تطرح إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة النمو الاقتصادي وقدرته على خلق فرص العمل وتوزيع الدخل.

فالنمو الذي تقوده الصناعات الاستخراجية ليس بالضرورة نمواً واسع التأثير على المجتمع، خصوصاً عندما يتركز في أنشطة كثيفة رأس المال ومحدودة التشغيل المباشر.

 

 

اقتصاد بسرعتين

 

تكشف التفاصيل القطاعية للتقرير حجم التفاوت داخل الاقتصاد الموريتاني.

فبينما يتوقع البنك نمو القطاع الصناعي بنسبة 13.7% سنة 2026، لا يتجاوز النمو المنتظر للقطاع الزراعي 2.4%، مقابل 0.7% فقط لقطاع الخدمات.

وهذا التباين مهم لفهم المفارقة الموريتانية. فالصناعات الاستخراجية قادرة على رفع الناتج المحلي والصادرات من خلال مشاريع كبيرة، لكنها لا تستوعب بالضرورة أعداداً كبيرة من العمال.

في المقابل، تظل الزراعة والتنمية الريفية والأنشطة الصغيرة، التي تعتمد عليها شرائح واسعة من السكان، أقل استفادة من الديناميكية الاقتصادية الجديدة.

ويشير البنك الدولي إلى أن محدودية التنويع الاقتصادي وضعف القطاع الخاص واستمرار انتشار العمل غير المنظم تشكل عقبات أمام توفير وظائف منتجة، خاصة للشباب والنساء.

وبذلك يمكن أن ترتفع القيمة الإجمالية لما ينتجه الاقتصاد دون أن تتحسن دخول قطاعات واسعة من المواطنين بالنسبة نفسها.

 

 

أين تذهب عائدات الثروات الطبيعية؟

 

لا يعني ارتفاع صادرات الغاز والذهب بالضرورة انتقال قيمتها الإجمالية إلى خزينة الدولة.

فثمة فارق جوهري بين قيمة الصادرات والعائدات الصافية التي تحصل عليها الدولة من الضرائب والإتاوات والأرباح وحصص المشاركة.

وفي المشروعات الاستخراجية الكبرى، تدخل في توزيع الإيرادات تكاليف الاستثمار والتشغيل واسترداد النفقات والتزامات الشركات، فضلاً عن الأرباح التي تعود إلى المساهمين الأجانب.

كما أن ارتفاع الصادرات قد يعزز احتياطيات النقد الأجنبي والوضع الخارجي للاقتصاد، دون أن يتحول تلقائياً إلى زيادة في الأجور أو الإنفاق الاجتماعي.

وهنا تصبح الحاجة ملحة إلى نشر بيانات أكثر تفصيلاً عن القيمة الفعلية التي دخلت الخزينة من الغاز والذهب، وكيفية توزيعها بين النفقات الجارية والاستثمارات والخدمات الأساسية.

فالسؤال ليس فقط كم صدّرت موريتانيا من الغاز والذهب، بل كم حصلت الدولة فعلياً من هذه الصادرات، وما نصيب القطاعات الاجتماعية والتنموية من تلك العائدات؟

 

 

الأسعار تلتهم مكاسب النمو

 

إلى جانب محدودية انتقال آثار النمو إلى سوق العمل، تتعرض الأسر الموريتانية لضغوط تضخمية متزايدة.

فقد بلغ التضخم السنوي 9.2% في يونيو 2026، مقارنة بـ0.3% في الشهر نفسه من السنة الماضية، بينما يتوقع البنك أن يبلغ متوسط التضخم 7.6% خلال العام الجاري.

ويربط التقرير هذا الارتفاع بصعود تكاليف الغذاء والطاقة والنقل، إضافة إلى اختلالات العرض المحلي، خصوصاً في قطاعي المواشي والصيد.

وتعني هذه التطورات أن أي زيادة محدودة في الدخل قد تفقد جزءاً من قيمتها الفعلية أمام ارتفاع تكلفة المعيشة.

وتزداد المشكلة حدة بالنسبة للأسر محدودة الدخل، التي تستهلك معظم مواردها في الغذاء والنقل والخدمات الأساسية، ولا تمتلك احتياطيات مالية تمكنها من امتصاص صدمات الأسعار.

وهكذا تتحول الزيادة في الناتج المحلي إلى مؤشر يصعب على المواطن الشعور بنتائجه، عندما يكون دخله الحقيقي تحت ضغط التضخم.

 

 

عائدات أكبر.. وضغوط على الميزانية

 

لا يغفل التقرير التحسن الذي طرأ على الوضع المالي للدولة بفضل العائدات الاستخراجية والضريبية.

فقد سجلت المالية العامة فائضاً بلغ 0.9% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية يونيو 2026.

غير أن التقرير يشير، في المقابل، إلى اتساع العجز الأولي خارج القطاع الاستخراجي إلى 1.9% من الناتج المحلي، بزيادة سنوية قدرها 50%، نتيجة ارتفاع نفقات الدعم والحماية الاجتماعية الهادفة إلى تخفيف آثار ارتفاع الأسعار.

وتكشف هذه الأرقام جانباً آخر من التحدي: فجزء من الموارد الإضافية يُستخدم لمواجهة الصدمات الاقتصادية والحفاظ على التوازنات المالية، وليس بالضرورة لتمويل استثمارات جديدة قادرة على تغيير بنية الاقتصاد.

ومع أن الإنفاق الاجتماعي يشكل أداة ضرورية لحماية الفئات الهشة، فإن أثره الطويل الأمد يظل مرهوناً بقدرته على الحد من الفقر وتمكين الأسر اقتصادياً، لا الاكتفاء بتخفيف آثاره مؤقتاً.

 

 

المشكلة ليست في حجم الثروة وحده

 

ليست موريتانيا بلداً يفتقر إلى الموارد الطبيعية. فهي تتوفر على الحديد والذهب والغاز والثروة السمكية، وتستفيد من موقع جغرافي يفتح أمامها فرصاً تجارية واستثمارية مهمة.

لكن التحدي يتمثل في تحويل هذه الإمكانات إلى اقتصاد أكثر تنوعاً، يخلق الوظائف ويرفع الإنتاجية ويوسع قاعدة المستفيدين من النمو.

وقد شدد البنك الدولي، في تقاريره الاقتصادية عن موريتانيا، على ضرورة توجيه عائدات الصناعات الاستخراجية نحو الزراعة والخدمات والاقتصاد الرقمي وتنمية رأس المال البشري.

غير أن تحقيق ذلك يتطلب أيضاً رفع كفاءة الاستثمار العمومي، وتحسين جودة التعليم والتكوين المهني، وتوفير بنية تحتية تساعد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على النمو.

كما يستدعي تعزيز الشفافية في إدارة العائدات الاستخراجية، وربط الإنفاق العمومي بنتائج قابلة للقياس، خصوصاً في التشغيل والخدمات الأساسية ومستويات الفقر.

 

 

من نمو الثروة إلى نمو الرفاه

 

لا تثبت أرقام البنك الدولي أن ثمار الغاز والذهب قد اختفت، ولا تسمح وحدها بالحكم على كفاءة استخدام جميع العائدات. لكنها تكشف بوضوح أن النمو المتوقع لا يكفي، في الظروف الحالية، لمنع اتساع دائرة الفقر.

وتبرز هنا مسؤولية السياسات الاقتصادية في تحديد الكيفية التي تتحول بها الثروة الوطنية إلى فرص عمل وخدمات ودخول أكثر استقراراً.

فالاختبار الحقيقي لعصر الغاز الذي دخلته موريتانيا ليس عدد الشحنات المصدّرة، ولا ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي وحده، وإنما قدرة هذه المرحلة على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين.

وإذا استمرت الصناعات الاستخراجية في قيادة النمو، بينما ظلت القطاعات المنتجة للوظائف ضعيفة، واستمر التضخم في تقليص القدرة الشرائية، فقد تجد موريتانيا نفسها أمام اقتصاد أكبر حجماً دون تحسن موازٍ في رفاه السكان.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو: كم ستربح موريتانيا من الغاز والذهب؟ بل كيف ستضمن أن تتحول هذه الأرباح إلى تنمية يستفيد منها الموريتانيون

خميس, 15/10/2026 - 16:28