
لم تكن مغادرة محمد ولد خالد وزارة الطاقة والنفط، في التعديل الحكومي الأخير، مجرد تغيير عادي في التشكيلة الحكومية، فقد جاءت بعد مرحلة شهد فيها القطاع سلسلة من الأزمات والاختلالات التي مست منشآت استراتيجية، وأثارت تساؤلات جدية بشأن جودة التسيير وفعالية الرقابة والمسؤولية عن الخسائر التي تكبدتها الدولة والمواطنون.
فخلال فترة توليه الوزارة، تكررت اضطرابات الإمداد بالمحروقات، ووقعت حرائق في منشآت كهربائية حيوية، فضلًا عن الأضرار التي لحقت بخزانات للمحروقات قيد الإنشاء بفعل الرياح، في حوادث أعادت إلى الواجهة أسئلة تتعلق بالتخطيط والإشراف الفني واحترام معايير السلامة.
ولعل أخطر هذه الملفات ما كشفه تقرير لجنة التحقيق في حرائق محطتي التحويل الكهربائي بنواكشوط، الذي لم يكتف بتقدير الخسائر، بل سجل أوجه قصور في تنفيذ المشاريع والرقابة عليها والإشراف على أشغالها.
وقدّر التقرير التكاليف المباشرة للحريقين بأكثر من 220 مليون أوقية جديدة، إضافة إلى 143.9 مليون أوقية لإعادة تأهيل المحطتين المتضررتين، فضلًا عن خسائر اقتصادية ناجمة عن اضطرابات الكهرباء التي استمرت عدة أيام.
هذه المعطيات تجعل من الصعب التعامل مع ما حدث باعتباره مجرد أعطال فنية عابرة، وتفرض مراجعة جدية للمسؤوليات الإدارية والفنية، خصوصًا أن بعض الجهات التي تناولها التقرير ظلت قياداتها في مواقعها رغم الملاحظات المسجلة بشأن أدائها.
ولم تكن أزمات المحروقات أقل إثارة للتساؤلات، سواء تعلق الأمر باضطرابات التموين المتكررة أو بالأضرار التي لحقت بخزانات التخزين قيد الإنشاء. وحتى عندما تتحمل الشركات المتعاقدة تكاليف الإصلاح، فإن ذلك لا يعفي الجهات المشرفة من توضيح مدى التزامها بواجبات المتابعة والرقابة وضمان جودة الأشغال.
إن إقالة الوزير قد تمثل اعترافًا سياسيًا بالحاجة إلى تغيير قيادة القطاع، لكنها لا تشكل في حد ذاتها محاسبة، ولا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لإغلاق الملفات دون تحديد المسؤوليات.
فالمساءلة لا ينبغي أن تتوقف عند الوزير المقال، بل يجب أن تشمل أيضًا بعض معاونيه وكبار المسؤولين في الوزارة والمؤسسات التابعة لها، خصوصًا من ارتبطت اختصاصاتهم بالمشاريع والقرارات التي سجلت بشأنها تقارير التحقيق أوجه قصور أو اختلالات.
ولا يتعلق الأمر بإدانة مسبقة لأي مسؤول، وإنما بضرورة التحقيق في مدى أداء كل طرف لواجباته، وترتيب المسؤوليات الإدارية أو القانونية حيثما ثبت التقصير.
لقد أعلن رئيس الجمهورية توجيه الحكومة إلى تنفيذ توصيات لجنة التحقيق في الحرائق، وهو التزام ينبغي أن يترجم إلى إجراءات واضحة، لا أن يطويه التعديل الحكومي أو ينحصر في تغيير الأشخاص.
لقد غادر محمد ولد خالد الوزارة، لكن ملفات الحرائق والمحروقات ومشاريع التخزين لم تغادر معه. وإذا انتهت المحاسبة عند حدود إقالة الوزير، وبقي بعض معاونيه والمسؤولين عن الإشراف والتنفيذ بمنأى عن المساءلة، فإننا نكون قد غيرنا الأشخاص دون معالجة أسباب الإخفاق.
فالإقالة قد تنهي مهمة الوزير، لكنها لا ينبغي أن تنهي حق المواطنين في معرفة الحقيقة، ولا واجب الدولة في محاسبة كل من تثبت مسؤوليته، مهما كان موقعه



.jpeg)

.jpeg)