
بعد سنوات من التحولات السياسية والأمنية المتلاحقة، تبدو دول تحالف الساحل ــ مالي والنيجر وبوركينا فاسو ــ أمام مرحلة مختلفة من اختبار القوة. لم يعد السؤال متعلقًا فقط بقدرة الأنظمة العسكرية على البقاء، بل بمدى قدرتها على تحويل خطاب السيادة واستعادة الأمن إلى نتائج ملموسة في الميدان، في وقت تواصل فيه الجماعات المسلحة توسيع نطاق الضغط واستنزاف القوات الحكومية وشبكات الإمداد.
وتأتي هذه المرحلة بعد أسابيع شهدت عمليات إفراج وشراء أو مقايضة لأسرى ورهائن أجانب، من دون أن يقود ذلك إلى مؤشرات واضحة على تهدئة أوسع. وفي المقابل، تتزايد علامات الضغط العسكري والاقتصادي في أكثر من دولة، وإن بدرجات متفاوتة.
مالي والنيجر تبدوان الأكثر عرضة لهذه الضغوط، بينما تحافظ بوركينا فاسو حتى الآن على قدر أكبر من السيطرة على مركزها السياسي والعسكري، وسط انتقادات حقوقية متواصلة لطبيعة الحرب التي تخوضها السلطات وللانتهاكات المنسوبة إلى القوات الحكومية وحلفائها.
وفي النيجر، لخص رئيس الدولة عبد الرحمن تياني، في حديثه في يوليو الماضي بمناسبة مرور ثلاث سنوات على الإطاحة بالرئيس محمد بازوم، أولويات المرحلة في الاستمرار والصمود. وهي لهجة تختلف عن الخطاب الذي رافق السنوات الأولى للسلطة الجديدة، حين كانت الوعود أكثر تركيزًا على تحقيق تحول سريع في موازين القوة واستعادة السيطرة على كامل المجال الوطني.
لكن مالي هي التي تقدم حاليًا الصورة الأكثر وضوحًا عن حجم الاختبار الذي تواجهه منظومة الحكم الجديدة في الساحل.
مالي.. ضغط عسكري وهوامش سياسية تضيق
خلال سبتمبر، واجهت باماكو سلسلة تطورات أعادت الملف الأمني إلى مقدمة المشهد. فقد تعرض معسكر ديورا في منطقة موبتي لهجوم كبير في 10 سبتمبر، وبقيت تداعياته حاضرة لأيام، وسط تقارير عن خسائر في صفوف الجيش واستيلاء المهاجمين على معدات عسكرية. وذكرت صحيفة Le Monde، نقلًا عن مصادر محلية وعسكرية، أن القوات الحكومية لم تكن قد استعادت انتشارها الكامل في ديورا بعد نحو أسبوعين من الهجوم.
وفي الوقت نفسه، واصلت القوات المسلحة المالية الإعلان عن عمليات جوية وبرية ضد مواقع تقول إنها تابعة للجماعات المسلحة. وتنشر قيادة الجيش بصورة متكررة بيانات عن عمليات مراقبة وضربات ضد ما تصفه بـ«الجماعات الإرهابية»، في إطار نشاط عسكري مكثف في وسط البلاد وشمالها. لكن التحقق المستقل من حصيلة هذه العمليات، ولا سيما أعداد القتلى والخسائر المعلنة، يظل صعبًا بسبب محدودية الوصول إلى مناطق القتال.
وهنا تظهر واحدة من نقاط الضعف الأساسية في الحرب الإعلامية المصاحبة للصراع. فبينما تصدر القوات المسلحة بيانات مقتضبة عن «تحييد» مقاتلين أو تدمير قواعد ومستودعات، تنشر جماعة نصرة الإسلام والمسلمين عادة صورًا ومقاطع فيديو للأسلحة والمركبات التي تقول إنها استولت عليها. ولا يعني ذلك بالضرورة أن رواية الجماعة المسلحة أكثر دقة، لكنه يمنحها مادة دعائية بصرية تسعى من خلالها إلى إثبات قدرتها على الوصول إلى مواقع عسكرية والاستيلاء على معداتها.
باماكو والجزائر.. عودة قنوات الاتصال
وفي خضم هذا الضغط، برز تطور دبلوماسي لافت تمثل في زيارة الوزير الأول الجزائري سيفي غريب إلى باماكو في 14 سبتمبر ولقائه رئيس المرحلة الانتقالية أسيمي غويتا ورئيس الوزراء عبد الله مايغا. وأكدت وكالة الأنباء الجزائرية أن الزيارة استهدفت إعادة تنشيط آليات التعاون المؤسسي بين البلدين بعد فترة من التوتر في العلاقات.
لكن البيانات العلنية الصادرة عن الزيارة لم تتضمن إعلانًا عن وساطة سياسية جديدة في الأزمة المالية، كما لم يظهر منها إطلاق إطار مشترك جديد لمكافحة الجماعات المسلحة. وركز الخطاب المعلن بدرجة أكبر على إعادة بناء العلاقات الثنائية وتنشيط آليات التعاون بين الجزائر وباماكو.
وهذا التقارب مهم في حد ذاته، خصوصًا بعد التوتر الذي خيم على العلاقات بين البلدين، لكنه لا يسمح حتى الآن بالحديث عن تحول جذري في المقاربة الأمنية أو عن عودة وشيكة لمسار وساطة مشابه لما كانت الجزائر تضطلع به سابقًا.
اجتماع 20 سبتمبر.. ماذا حدث داخل السلطة؟
وتزايدت الأسئلة بشأن مستوى القلق داخل السلطة بعد اجتماع أمني عقده غويتا في باماكو في 20 سبتمبر مع كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين، عقب سلسلة الهجمات الأخيرة. ولم يصدر عن الاجتماع بيان مفصل يحدد القرارات التي اتخذت خلاله. وتؤكد تقارير صحفية انعقاد الاجتماع بوصفه اجتماع أزمة لمراجعة الوضع الأمني.
أما الحديث المتداول عن احتمال بحث عودة سريعة إلى الانتخابات خلال الاجتماع، فلم يظهر ما يثبته في المصادر الرسمية المتاحة حتى الآن. ولذلك ينبغي التعامل معه باعتباره معلومة غير مؤكدة، لا مؤشرًا ثابتًا على تحول سياسي وشيك.
والثابت أن الحكومة واصلت في الأيام التالية نشاطها الرسمي المعتاد، بما في ذلك الاحتفالات بعيد الاستقلال وبرامج المصالحة الوطنية، فيما لم تعلن عن تعديل في الجدول السياسي للمرحلة الانتقالية.
حرب استنزاف أكثر منها معركة حسم
تكمن المشكلة الأكبر بالنسبة لباماكو في أن طبيعة المواجهة الحالية لا تبدو قائمة على معركة واحدة يمكن أن تحسم ميزان القوة. فالجماعات المسلحة تعتمد على الضغط المتنقل: مهاجمة قواعد عسكرية، قطع طرق، استهداف قوافل، ثم الانسحاب وإعادة الانتشار في مناطق أخرى.
وفي المقابل، تعتمد القوات الحكومية على التفوق الجوي والطائرات المسيّرة والوحدات الخاصة، إلى جانب القوات الروسية التابعة لفيلق إفريقيا.
بهذا المعنى، يتحول الصراع تدريجيًا إلى حرب استنزاف؛ لا يكفي فيها الاحتفاظ بالعاصمة أو المدن الكبرى لإثبات السيطرة، كما لا يكفي نجاح الجماعات المسلحة في تنفيذ هجمات كبيرة للقول إنها باتت قادرة على إسقاط الدولة.
والمعيار الأكثر دلالة سيكون قدرة الحكومة على إبقاء طرق الإمداد مفتوحة، وإعادة الانتشار في المواقع التي تتعرض للهجوم، وتأمين المراكز السكانية والاقتصادية، بالتوازي مع المحافظة على تماسك القوات المسلحة.
بين الصمود والتآكل
بعد سنوات من قيام تحالف دول الساحل، لا تزال سلطاته قادرة على الاحتفاظ بمراكز الحكم وأجهزة الدولة والجيوش، لكنها تواجه اختبارًا مختلفًا عن مرحلة الانقلابات الأولى.
فالشعارات المتعلقة بالسيادة والاستقلال الاستراتيجي أصبحت اليوم مطالبة بأن تقاس بنتائج أكثر مباشرة: هل تحسنت السيطرة على الأرض؟ هل أصبحت الطرق أكثر أمنًا؟ هل تقلص نشاط الجماعات المسلحة؟ وهل تستطيع الاقتصادات المحلية تحمل كلفة المواجهة الطويلة؟
في مالي تحديدًا، تكشف أحداث سبتمبر أن الضغط الأمني لم ينحسر، وأن الجيش ما زال يخوض عمليات واسعة بينما تحتفظ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بقدرة على المبادرة والهجوم في مناطق مختلفة. وفي الوقت نفسه، لا توجد معطيات كافية تسمح بالجزم بأن النظام مقبل على انهيار وشيك، كما لا توجد مؤشرات تسمح بالقول إن المعركة تتجه نحو حسم قريب لصالحه.
لذلك قد يكون السؤال الأكثر دقة في هذه المرحلة ليس متى يسقط هذا الطرف أو ينتصر ذاك؟، وإنما: إلى متى تستطيع دول الساحل تحمل حرب استنزاف لا تمنح أحدًا نصرًا حاسمًا، لكنها ترفع الكلفة على الجميع عامًا بعد عام؟



.jpeg)

.jpeg)