
لم يكن توقف الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي في نواكشوط، مساء الخميس، مدرجًا باعتباره زيارة رسمية إلى موريتانيا. فالطائرة الرئاسية كانت في طريق العودة من أبوظبي إلى دكار، والتوقف في مطار أم التونسي قُدّم بوصفه محطة فنية. لكن استقبال الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لنظيره السنغالي وإجراء مباحثات بينهما منح المحطة بعدًا سياسيًا يتجاوز طبيعتها الجوية.
وأفادت المصادر الرسمية بأن الرئيسين بحثا علاقات الصداقة وحسن الجوار و«العديد من أوراش التعاون» بين البلدين، من دون الكشف عن تفاصيل الملفات التي تناولتها المباحثات أو مدتها.
ويأتي اللقاء في توقيت لافت، بعد تسعة أيام فقط من دعوة الوزير الأول السنغالي أحمدو الأمينو لو إلى تنسيق موقف مشترك بين دكار ونواكشوط تجاه شركة bp بشأن الاستفادة المحلية من غاز مشروع السلحفاة آحميم الكبير GTA.
وكان الوزير الأول السنغالي قد دعا، خلال عرضه أمام الجمعية الوطنية في 8 سبتمبر، إلى تحرك مشترك مع موريتانيا لضمان حصول البلدين على الغاز الطبيعي المسال المنتج من المشروع، مع تركيز دكار خصوصًا على استخدام الغاز في تشغيل محطات الكهرباء وتقليص الاعتماد على الوقود المستورد.
ولم يصدر حتى الآن موقف موريتاني علني ومفصل بشأن هذه الدعوة، ما يجعل لقاء الرئيسين، في هذا التوقيت، محطة تستحق المتابعة في سياق التنسيق حول المشروع المشترك، من دون وجود معطيات رسمية تؤكد أن ملف GTA كان بالفعل محور المباحثات.
لكن الملف سبق أن حضر بقوة في التواصل بين البلدين. ففي يونيو الماضي حمل وزير الطاقة السنغالي رسالة من الرئيس فاي إلى الرئيس غزواني، وقال عقب اللقاء إن نواكشوط ودكار تعملان على مواءمة مواقفهما بشأن GTA، في وقت ناقش فيه مسؤولو الطاقة في البلدين كيفية تعظيم العائد الاقتصادي للمشروع والاستفادة من الغاز في إنتاج الكهرباء.
محطة بعد واشنطن وأبوظبي
وتكتسب زيارة نواكشوط دلالة إضافية بالنظر إلى الجولة التي عاد منها الرئيس السنغالي.
فقد بدأ فاي جولته في واشنطن، حيث التقى المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، في مرحلة تعمل فيها حكومته على التوصل إلى برنامج تمويل جديد مع الصندوق، بعد اتفاق على مستوى الخبراء بشأن برنامج يمتد 36 شهرًا بقيمة تقارب 2.2 مليار دولار.
ومن واشنطن توجه إلى أبوظبي، حيث أجرى مباحثات مع رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ركزت على تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري في مجالات من بينها الطاقة والبنية التحتية والزراعة واللوجستيات والاقتصاد الرقمي.
وهكذا وصل الرئيس السنغالي إلى نواكشوط عائدًا من جولة تمحورت بدرجة كبيرة حول التمويل والاستثمار والطاقة، وهي ملفات تتقاطع مباشرة مع عدد من المشاريع التي تربط السنغال وموريتانيا.
أكثر من الغاز
ولا يقتصر جدول المصالح المشتركة بين نواكشوط ودكار على مشروع GTA. فالبلدان يرتبطان بملفات تتعلق بالصيد، والأمن، وحركة الأشخاص والبضائع، والزراعة، والهجرة، والنقل، إلى جانب مشروع جسر روصو الذي يمثل أحد أكبر مشاريع الربط البري بينهما.
ويمثل الجسر، عند اكتماله وتشغيله، عنصرًا مهمًا في تعزيز المبادلات التجارية وربط الممرات البرية بين موريتانيا والسنغال وغرب إفريقيا، وقد ظل إنجازه محل متابعة مشتركة من حكومتي البلدين.
ماذا بحث الرئيسان؟
في غياب بيان مفصل، لا يمكن الجزم بأن توقف فاي في نواكشوط خُصص لمناقشة ملف بعينه، كما لا تتوفر حتى الآن معطيات رسمية تشير إلى اتفاق جديد بين البلدين.
لكن توقيت اللقاء يضع الطاقة وGTA في مقدمة السياقات التي تحيط به، خصوصًا بعد التصريحات السنغالية الأخيرة بشأن الحاجة إلى تنسيق المواقف مع موريتانيا، وفي وقت تسعى فيه دكار إلى خفض تكلفة إنتاج الكهرباء عبر الغاز المحلي.
وبذلك، فإن التوقف الذي بدأ بوصفه محطة فنية تحول عمليًا إلى فرصة لمشاورات مباشرة بين رئيسي دولتين تجمعهما ملفات اقتصادية وأمنية واستراتيجية متشابكة.
ويبقى السؤال الذي لم تجب عنه البيانات الرسمية حتى الآن: هل كان لقاء أم التونسي مجرد تشاور عابر فرضته محطة العودة، أم أنه شكل بداية تنسيق جديد بين نواكشوط ودكار بشأن مستقبل الغاز والمشاريع المشتركة؟
أقلام



.jpeg)

.jpeg)