فقد الأحبة: مشاعر اليوم الموالي (تأبين)

 

مساء الإثنين، أو ليل الثلاثاء، في حدود العاشرة والنصف (31 أغسطس 2026)، أسلمت أختنا زينب بنت شيخنا الروح لبارئها في مستشفى القلب، بعد وعكة خاطفة كانت تتويجًا لنحو عقد من المرض المزمن ـ مرض الضغط ـ المصحوب بخمول في الحركة وذبول مطّرد في البدن، دون أن تعاني -لله الحمد- من ألمٍ أو ترددٍ على المستشفيات.

رحلت الفقيدة في تلك الليلة في صمت وسكينة، وكأنها في غفوة؛ دون احتضار مؤلم أو معاناة بادية، ودون تعب أو إتعاب، مع يسر في الأمور وسهولة في الإجراءات، وبوادر من اللطف الرباني أحاطت برحيلها.

رحلت زينب وقد جاوزت عمر المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقد أكرمها الله بنعم متضافرة: نعمة العيش في كنف الوالدين، والرزق بالولد، وما حباها به من حسن الخلق وطيب السيرة؛ فلم يكن أحد يعرفها إلا ويذكرها بخير ويثني عليها.
كانت كريمة، صبورة، برّة بالجميع، حسنة المعشر، تألف وتؤلف؛ لا تترك في نفوس من عاشرها إلا الأثر الطيب والذكر الحسن.

وكانت المرحومة سَمِيّةَ جدتها لأبيها، ولذلك كان أبوها يؤثرها ويخصها بمزيد من العناية والمحبة. ومن تمام لطف الله بها أن جمعها به بعد وفاتها على قرب المسافة؛ فهي ضجيعته في مقبرة عرفات بنواكشوط، وكأن في ذلك تمام الصلة حتى بعد الموت.

واليوم، وقد انقضى ما كان ينبغي من التجلّد والتصبر والتسليم عند نزول القضاء، وانتهت شيئًا فشيئًا انشغالات التعازي والمواساة، تحلّ لحظة الإحساس الحقيقي بالفقد: ألم الفراق، وشعور الفراغ، واستحضار أن شخصًا كان جزءًا من تفاصيل حياتنا قد أصبح فجأة خارجها.

نعم، إن إحساس الأخوة عند الفقد لا يكاد يقل عن ذلك الذي يشعر به المرء عند رحيل أحد والديه، ولا سيما عند إخوة التتابع الذين اشتركوا في كل ذكريات الصغر، وعاشوا أدق التفاصيل الأولى: اللعب والمشاكسة الطفولية على تفاصيل حياة الصبا؛ من التنازع على بعض أجزاء الذبيحة، أو على ما يبقى عند انقضاء الشاي، إلى التشبث بنصيب أكبر من الغطاء في ليالي الشتاء؛ فضلًا عن أقدمية كتابة اللوح زمن تحفيظ القرآن، أو الموقع يمين الوالدة أو يسارها في الهودج عند الارتحال.

تلك تفاصيل قد تبدو صغيرة في عين من لم يعشها، لكنها في ذاكرة من عاشها ليست صغيرة أبدًا. إنها الطفولة نفسها، وقد بقيت موزعة بين وجوه الإخوة وملامحهم وأصواتهم وعاداتهم.

ولذلك فإن رحيل أحدهم لا يعني فقد شخص فحسب، بل يعني انطفاء صفحة من صفحات العمر، وانسحاب شاهد حي على زمن لا يمكن استعادته. وحين ترحل أخت عاشت معك تلك التفاصيل الأولى، تشعر كأن شيئًا من طفولتك  بل كينونتك قد رحل معها، وأن الذاكرة نفسها فقدت أحد حراسها، وأن ثلمة في الوجدان ما من سبيل إلى ردمها.

وهذا، ربما، هو معنى «اليوم الموالي»؛ يوم لا تكون فيه مشاغل الموت قد ملأت الوقت، ولا تكون فيه المواساة قد استنفدت مساحة الحزن، فيجد المرء نفسه فجأة أمام الحقيقة المجردة:

نعم، زينب لم تعد هنا.

رحم الله زينب رحمة واسعة، وغفر لها، وأكرم نزلها، ووسع مدخلها، وجمعها بوالدها ومن تحب في دار لا فراق فيها.

إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا زينب لمحزونون.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

محمد ولد شيخنا

.

جمعة, 04/09/2026 - 23:08