حرائق وانقطاعات وطوابير وقود.. من يتحمل مسؤولية فشل قطاع الطاقة؟

لم تعد أزمة الكهرباء في نواكشوط مجرد انقطاع عابر يمكن تبريره بعطل فني طارئ أو ظرف استثنائي. فاندلاع حريقين، خلال فترة متقاربة، في محطتي إنتاج للكهرباء في نواكشوط الشمالية والغربية، يكشف أن المشكلة أعمق من حادثتين منفصلتين، وأن قطاع الطاقة بات يتحرك من أزمة إلى أخرى من دون أن تظهر مؤشرات حقيقية على وجود منظومة قادرة على الاستباق أو حتى على إدارة الطوارئ بكفاءة.

هذه الحرائق تأتي بعد أشهر مثقلة بالأزمات: نقص متكرر في البنزين، وطوابير طويلة من السيارات أمام محطات الوقود، واضطرابات في التموين، ثم حادثة مستودعات تخزين المحروقات قيد الإنشاء في نواكشوط والتي لم تصمد أمام رياح لم تكن استثنائية في قوتها. واليوم تلحق الكهرباء بالقائمة، لتتحول الطاقة، بشقيها الوقود والكهرباء، إلى واحد من أكثر القطاعات إثارة للقلق.

الأخطر أن المعلومات المتداولة تشير إلى أن قطع الغيار اللازمة لإعادة تشغيل المحطتين المتضررتين ليست متوفرة حاليًا داخل البلاد. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن السؤال لا يعود متعلقًا فقط بسبب الحريق، وإنما بكيفية إدارة قطاع بهذه الحساسية من دون مخزون احتياطي من القطع الأساسية التي يمكن أن يتوقف عليها تشغيل أجزاء واسعة من شبكة العاصمة.

كيف يمكن لمنظومة تزود مئات آلاف السكان بالكهرباء أن تنتظر حدوث العطل قبل أن تبدأ البحث عن القطع اللازمة لإصلاحه؟ وأين خطط الطوارئ؟ وأين المعدات البديلة؟ وأين مخزون الأمان الذي يفترض أن يكون من أبجديات إدارة منشآت إنتاج الكهرباء؟

إن أزمة بهذا الحجم لا ينبغي أن تمر ببيانات اعتذار ولا بتفسيرات تقنية مقتضبة. ثمة مسؤولية سياسية وإدارية واضحة، ويجب أن تبدأ المساءلة من رأس القطاع: وزير الطاقة، محمد ولد خالد. وإدارة الشركة الموريتانية للكهرباء.

ولا يبدو مقبولًا أن تكون الشركة غارقة في أعطال وانقطاعات وشكاوى يومية، بينما يجد مديرها العام، اخرمبالي، متسعًا من الوقت للاستجمام وقضاء العطلة والانخراط في اجتماعات ذات طابع قبلي في كنكوصة وكيفه. إدارة شركة بحجم «صوملك» ليست وظيفة بروتوكولية، ولا منصبًا يسمح لصاحبه بأن يكون حاضرًا في المناسبات وغائبًا عندما تدخل العاصمة في الظلام.

في الدول التي تحترم المسؤولية العمومية، لا يكون السؤال فقط: متى ستعود الكهرباء؟ بل أيضًا: من أخفق؟ ومن كان مسؤولًا عن الصيانة؟ ومن تأكد من وجود قطع الغيار؟ ومن وضع خطط الاستجابة للحوادث؟ وهل جرى التحقيق في أسباب الحريق الأول قبل أن يندلع الثاني؟

إن تكرار الأزمات في قطاع الطاقة يدل على أن المشكلة لم تعد تقنية فقط. هناك أزمة إدارة، وأزمة جاهزية، وأزمة مساءلة. وكلما غابت المحاسبة، تحولت الأعطال إلى أمر عادي، وأصبح المواطن هو من يدفع الثمن: مستشفيات مهددة، أدوية معرضة للتلف، متاجر تخسر بضائعها، أسر تعيش الحر والظلام، وأنشطة اقتصادية تتوقف.

ولا يكفي بعد كل أزمة أن تتحرك الفرق الفنية وتصدر البيانات ثم تعود الأمور إلى سابق عهدها. المطلوب تحقيق فني وإداري مستقل في حريقي المحطتين، ونشر نتائجه للرأي العام، والكشف عن وضعية الصيانة الدورية، ومستوى المخزون الاستراتيجي من قطع الغيار، وخطة تأمين الشبكة ضد الأعطال المتزامنة.

وإذا ثبت أن القطاع دخل هذه الأزمة من دون جاهزية، ومن دون قطع غيار، ومن دون خطة بديلة، فإن أقل ما ينتظره الرأي العام هو أن يتحمل المسؤولون السياسيون والإداريون تبعات الفشل.

فالعاصمة لا يمكن أن تُترك في الظلام، ثم يُطلب من المواطنين الاكتفاء بالاعتذارات.

مولاي سيد احمد

سبت, 22/08/2026 - 22:56