التقارب الجزائري-المالي: ماذا يعني  لموريتانيا؟

يفرض التقارب الجديد بين الجزائر ومالي على موريتانيا أن تعيد قراءة حساباتها  في الساحل، وأن تسأل نفسها بصراحة عما إذا كانت قد أخطأت في تقدير اتجاه الأحداث خلال السنوات  الأخيرة، فدعوة الوزير الأول الجزائري لنظيره المالي عبد الله مايغا لزيارة الجزائر اليوم لا تبدو مجرد خطوة بروتوكولية، ذلك أنها تأتي في لحظة تبدو فيها  معادلات القوة في المنطقة مختلفة عما كانت عليه، وفي وقت بدأت فيه الجزائر وباماكو، بعد أشهر من القطيعة والتوتر، تبحثان عن أرضية جديدة للعلاقة بينهما، والأهم أن هذا التقارب يأتي بعد تحولات ميدانية وسياسية عميقة في مالي، وآخرها  معركة انفيس التي تعتبر حدثا مفصليا لدرجة ان مراقبين شبهوها بمعركة كويتو نافالي التي انهت الصراع  في انغولا،  ويمكن القول إن معركة انفيس أعادت ترتيب بعض الحسابات التي قامت عليها مواقف الأطراف خلال المرحلة الماضية، فالمعركة، بصرف النظر عن تفاصيلها العسكرية، كشفت أن الدولة المالية لم تنهَر تحت ضغط الحرب والعزلة، بل استطاعت الحفاظ على قدرتها على المبادرة وعلى فرض نفسها طرفاً لا يمكن تجاوزه أو صده .وهنا تحديداً ينبغي أن تعيد موريتانيا قراءة المشهد.

 

 فمنذ بداية الأزمة المالية، بدا أن جزءاً من الحسابات الموريتانية قام على افتراض أن الضغط المتراكم على باماكو سيقود في النهاية إلى إنهاكها، وأن السلطة المالية ستضطر إلى التراجع أو العودة إلى ترتيبات سياسية وأمنية أقرب إلى تلك التي كانت قائمة قبل التحولات الأخيرة. وربما كان هذا الرهان مفهوماً في لحظة معينة، لكنه يصبح أكثر إشكالاً إذا كانت الوقائع الحالية تشير إلى العكس تماما، فمالي لم تنهَر، والجيش المالي لم يتراجع، والنظام لم يضعف، والأطراف الداعمة له تظهر الدعم أكثر ويترسخ وجودها أكثر، بينما التحالفات والاتفاقات القديمة تنهار وتتآكل بما في ذلك اتفاق الجزائر، والجزائر نفسها تعود الآن إلى الحوار مع باماكو من موقع يراعي هذه الحقائق الجديدة.

 

ولهذا لا ينبغي لموريتانيا أن تقرأ التقارب الجزائري-المالي على أنه مصالحة بين دولتين جارتين، بل كمؤشر على بداية مرحلة جديدة في الساحل، تنتقل فيها الجزائر من محاولاتها القديمة إدارة أزمة مالي وفق ترتيبات ذاتية إلى تقبل المشاركة مع مالي في صياغة تسوية تتلاءم مع ميزان القوى الذي نشأ بعد سنوات الحرب والتحولات السياسية والعسكرية منذ خروج السلطات المالية من اتفاق الجزائر، مما يعني ان الامور تتجه إلى ما يشبه خارطة طريق جديدة للتسوية.

أين هي موريتانيا اذن في هذا السياق؟ وكيف سينظر اليها في هذا المنعطف؟ هل تشارك في تفاصيل اعداد الخارطة الجديدة، أم أن أنها ستظل مجرد حارس حدود صامت؟ 

ومن المؤكد أنما تبحث عنه الجزائر الآن ليس إحياء الماضي، وإنما صياغة جديدة تراعي الحقائق والحسابات التي أفرزتها المرحلة الأخيرة، وأهمها أن مالي مصرة على الحفاظ على وحدة أراضيها وسيادتها، وبالتالي فإن الجزائر ستركز في محاولتها التقارب مع مالي في المقام الأول على تأمين الشمال المالي مع إيجاد ترتيبات سياسية وتنموية تعيد الاستقرار ولو جزئيا إلى الشمال، دون العودة طبعا إلى الصيغ التي تجاوزتها التطورات.

 إن هذا التقارب على هذا النحو قد يحمل لموريتانيا خبراً جيداً وآخر سيئاً، الخبر الجيد هو أن تفاهم الجزائر ومالي يمكن أن يخفف من أحد مصادر التوتر الكبرى في المنطقة، وأن يفتح الباب أمام تعاون إقليمي أكثر انتظاما. أما الخبر السيئ فهو أن تضييق المجال أمام الجماعات المسلحة في شمال مالي قد يدفع بعضها إلى البحث عن مساحات أخرى أقل حماية، وهذه قاعدة عرفها التاريخ في صراعات كثيرة، فعندما يُغلق مسرح عمليات، لا يختفي العنف بالضرورة؛ بل قد يبحث عن مسرح جديد، فإذا أدى التقارب الجزائري-المالي إلى تعاون أمني واستخباراتي أكبر، فقد تجد الجماعات المسلحة نفسها أمام بيئة أكثر صعوبة في الشمال، الأمر الذي قد يزيد من جاذبية المناطق الحدودية والممرات الأقل تحصيناً.. وهنا قد تصبح موريتانيا معنية مباشرة.

ولهذا فإنما قد يكون تطوراً إيجابياً بالنسبة إلى الأمن الجزائري والمالي قد ينتج في المدى القصير، ضغطاً أمنياً جديداً على دول الجوار..ولهذا لا يكفي أن نتساءل ما إذا كان التقارب الحاصل هو نوع من الإذعان من هذا الطرف لذاك أم العكس، هذه سذاجة، لأن السؤال الحقيقي هو: كيف سيغير هذا التقارب خريطة التهديدات في المنطقة، وأين ستذهب الجماعات التي تفقد مجال حركتها؟

فإذا كانت الجزائر ومالي تتجهان إلى بناء علاقة جديدة، وإذا كانت باماكو تدخل هذه العلاقة من موقع أقوى مما كان متوقعاً، فإن نواكشوط مطالبة بإعادة تقييم موقعها، وليس بالتشبث بتقديرات الماضي، ولا بانتظار أن يقال لها لقد وجدنا لك دورا ، لأن الدور موجود بفضل الموقع الجغرافي وليس فضلا من أحد، ولكن ما أسهل تغيير معنى الجغرافيا لمن يتغيب عن المشاركة في رسم الخرائط.

 ولهذا فإن على موريتانيا أن تقرر سريعاً ما إذا كانت تريد أن تكون جزءاً من صناعة الخريطة الجديدة، أم مجرد دولة تتكيف مع الخرائط بعد اكتمال رسمها، وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن تستخلصه، بعد أن أهملت أغلب الدروس السابقة، وواصلت في أكثر من محطة بناء حساباتها على ما تتمنى أن يحدث، لا على ما كانت الوقائع تقول إنه سيحدث فعلاً

ثلاثاء, 11/08/2026 - 23:11