مالي وأزواد.. نزاع يتجاوز الأمن إلى أزمة شرعية وهوية وذاكرة

يصعب فهم الصراع الدائر في شمال مالي إذا اقتصر النظر إليه باعتباره مواجهة بين الجيش المالي والجماعات المسلحة أو امتدادًا لتهديد التنظيمات الجهادية في منطقة الساحل. فاستمرار النزاع على مدى أكثر من ستة عقود، وعودته بعد كل اتفاق سلام، يعكس وجود أزمة أعمق تتجاوز الاعتبارات الأمنية والعسكرية إلى أسئلة تتعلق بشرعية الدولة والهوية السياسية والذاكرة التاريخية.

فمنذ استقلال مالي عام 1960، لم يعرف شمال البلاد استقرارًا دائمًا. فقد تعاقبت موجات التمرد في أعوام 1963 و1990 و2006 و2012، ثم عادت المواجهات مجددًا منذ عام 2023، لتتوسع من محيط تينزاواتين إلى مناطق قريبة من غاو. هذا التسلسل الزمني يعكس أن الاتفاقات المتعاقبة نجحت في وقف القتال لفترات محدودة، لكنها لم تنهِ أسبابه.

 

 

أزمة شرعية قبل أن تكون أزمة حكم

 

يبرز في صلب الأزمة سؤال يتعلق بشرعية السلطة المركزية في نظر جزء من سكان شمال مالي، ولا سيما في منطقة أداغ وكيدال.

فالنزاع لا يرتبط فقط بطريقة إدارة الدولة لشؤون الشمال أو بمستوى التنمية فيه، بل يتصل أيضًا بعدم اعتراف قطاع من السكان بشرعية الدولة التي نشأت بعد الاستقلال. وفي هذا السياق، يُنظر إلى انتقال السلطة من الإدارة الاستعمارية الفرنسية إلى باماكو على أنه انتقال للإدارة أكثر منه تأسيس لعقد سياسي جديد يشارك فيه سكان الإقليم.

وتفسر هذه الرؤية جانبًا من تعثر السياسات التي اعتمدتها الحكومات المالية، إذ ركزت على مشاريع التنمية واللامركزية وإدماج المقاتلين في مؤسسات الدولة، بينما بقيت مسألة العلاقة السياسية بين المركز والشمال دون معالجة حقيقية.

 

 

ذاكرة الصدام الأول

 

شكّلت أحداث عامي 1963 و1964 نقطة تحول في العلاقة بين الدولة وسكان الشمال.

فالحملة العسكرية التي أعقبت أول تمرد مسلح تركت آثارًا عميقة في الذاكرة المحلية، بعد أن خضعت مناطق واسعة من أداغ لإدارة عسكرية، وتعرضت لقيود أمنية طويلة، بالتزامن مع اتهامات بانتهاكات واسعة خلال تلك المرحلة.

ولم يعد حضور الدولة في المخيال الجماعي مرتبطًا بالخدمات أو التنمية، بل بالقوة العسكرية، وهو ما جعل تلك الأحداث تتحول إلى مرجع تاريخي تستند إليه الأجيال اللاحقة في تفسير علاقتها بالسلطة المركزية.

 

 

انتقال الذاكرة من جيل إلى آخر

 

لم تتوقف آثار أحداث الستينيات عند من عاشها، بل انتقلت عبر الأجيال لتصبح جزءًا من الوعي السياسي والاجتماعي في المنطقة.

وقد ساهمت سنوات اللجوء والهجرة التي عرفها كثير من شباب الطوارق خلال فترات الجفاف إلى الجزائر وليبيا في إعادة تشكيل هذا الوعي، حيث تبلورت تصورات مشتركة حول الهوية والمصير السياسي، وتحولت الذاكرة الجماعية إلى عنصر أساسي في استمرار النزاع.

وبذلك، أصبحت كل مواجهة جديدة تُقرأ بوصفها امتدادًا لصراع قديم، لا باعتبارها أزمة منفصلة يمكن احتواؤها بإجراءات أمنية ظرفية.

 

 

انقسامات داخلية معقدة

 

لا يقتصر النزاع على مواجهة بين باماكو والشمال، إذ تتداخل داخله انقسامات اجتماعية وقبلية داخل المجتمع الطوارقي نفسه.

وقد لعبت هذه الانقسامات دورًا مهمًا في تشكيل التحالفات العسكرية والسياسية خلال العقود الماضية، كما استُخدمت في بناء مليشيات محلية موالية للدولة. إلا أن التحولات الأخيرة تشير إلى تغير تدريجي في طبيعة هذه الاصطفافات، بحيث لم تعد ترتبط فقط بالبنية الاجتماعية التقليدية، بل بالموقف من السلطة العسكرية في باماكو.

 

 

تراكم التدخلات الخارجية

 

تراكمت خلال العقود الماضية أدوار إقليمية ودولية متعددة في الملف المالي دون أن تؤدي إلى معالجة جذور الأزمة.

فالجزائر احتفظت بدور الوسيط في معظم اتفاقات السلام، بينما ترك انهيار ليبيا عام 2011 أثرًا مباشرًا في انتقال المقاتلين والأسلحة إلى المنطقة. ثم دخلت فرنسا عسكريًا عام 2013 قبل أن تحل محلها روسيا عبر شراكتها الأمنية مع السلطات المالية.

وفي الوقت نفسه، أدى ظهور الجماعات الجهادية إلى إضافة بعد جديد للنزاع، فأصبحت الساحة تجمع بين مطالب سياسية مرتبطة بأزواد، وأهداف دينية تتبناها التنظيمات المتشددة، وهو ما زاد من تعقيد أي تسوية محتملة.

 

 

اقتصاد الحرب

 

إلى جانب العوامل السياسية والتاريخية، نشأ خلال سنوات الصراع اقتصاد مرتبط بالحرب نفسها.

فاستمرار النزاع وفر مصادر دخل ونفوذ لعدد من الفاعلين، من المليشيات المسلحة إلى شبكات التهريب والمرتزقة، وهو ما جعل بعض الأطراف تجد في استمرار حالة عدم الاستقرار مصلحة مباشرة، الأمر الذي يزيد من صعوبة الوصول إلى سلام دائم.

 

 

لماذا تعثرت اتفاقات السلام؟

 

رغم تعدد الاتفاقات، من تمنراست عام 1991 إلى الجزائر عام 2015، فإن معظمها انشغل بترتيبات أمنية وإدارية، مثل نزع السلاح، وإعادة دمج المقاتلين، واللامركزية، والتنمية المحلية، دون أن يحسم مسألة الوضع السياسي للشمال داخل الدولة المالية.

كما واجهت تلك الاتفاقات تحديات متكررة، تمثلت في ضعف تنفيذ الالتزامات، والانقسامات داخل الحركات المسلحة، واستمرار العوامل التي تغذي الصراع، وهو ما جعل كل اتفاق يتحول إلى هدنة مؤقتة أكثر منه تسوية نهائية.

 

 

بين الحسم العسكري والحل السياسي

 

أظهرت التطورات العسكرية منذ عام 2023 أن ميزان القوى على الأرض قابل للتغير، لكن استمرار المواجهات يؤكد أن السيطرة العسكرية لا تكفي وحدها لإنهاء النزاع.

فالأزمة، كما تكشف مساراتها التاريخية، تتداخل فيها قضايا الشرعية والهوية والذاكرة والتوازنات الاجتماعية والتدخلات الخارجية، إلى جانب المصالح الاقتصادية التي نشأت حول الحرب.

ولذلك، فإن أي تسوية مستدامة ستظل مرتبطة بقدرة الأطراف على الانتقال من إدارة الصراع العسكري إلى معالجة الأسئلة السياسية التي ظلت حاضرة منذ استقلال مالي، والتي ما زالت تحدد طبيعة العلاقة بين الدولة وسكان شمال البلاد.

 

مولاي سيد احمد

ثلاثاء, 28/07/2026 - 10:05