موريتانيا وقضية الصحراء: دبلوماسية التوازن في مواجهة ضغوط الاصطفاف

أعاد استقبال الرئيس الموريتاني ، محمد ولد الشيخ الغزواني، بالقصر الرئاسي في نواكشوط، وفداً من الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية برئاسة وزير التعليم والتكوين المهني، عبد القادر الطالب اعمر، تسليط الضوء على المقاربة الدبلوماسية التي تنتهجها موريتانيا في التعاطي مع قضية الصحراء. فاللقاء يأتي في وقت يشهد فيه الملف تحولات إقليمية ودولية متسارعة، لكنه ينسجم مع سياسة موريتانية قائمة منذ عقود على الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف، دون أن يشكل مؤشراً على تغيير في الموقف الرسمي أو خروجاً عن المرجعية الأممية التي تعتمدها نواكشوط.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في ظل احتدام التنافس بين المغرب والجزائر، وعودة الملف إلى واجهة الاهتمام الدولي، حيث تبدو موريتانيا حريصة على تجنب الانخراط في سياسة المحاور، مع الاستمرار في بناء علاقات متوازنة مع جميع الفاعلين المعنيين بالنزاع.

 

 

الحياد كخيار استراتيجي

 

منذ انسحابها من نزاع الصحراء أواخر سبعينيات القرن الماضي، سعت موريتانيا إلى ترسيخ سياسة خارجية تقوم على التوازن بين الرباط والجزائر، مع الإبقاء على الاعتراف بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، ودعم أي تسوية تتم تحت رعاية الأمم المتحدة.

ولم يكن هذا التوجه وليد المرحلة الحالية، بل أصبح جزءاً من العقيدة الدبلوماسية الموريتانية. فعندما تولى الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع السلطة عام 1984، أبقى على الاعتراف بالجمهورية الصحراوية، لكنه لم يسمح بافتتاح سفارة لها في نواكشوط، في خطوة هدفت إلى تجنب توتير العلاقات مع أي من الطرفين الرئيسيين في النزاع.

ومنذ ذلك الحين، استقرت السياسة الموريتانية على مبدأين أساسيين: احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، ودعم حل سياسي ترعاه الأمم المتحدة، مع الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة مع جميع الأطراف.

 

 

الاستقرار قبل الاصطفاف

 

لا تنظر نواكشوط إلى الحياد باعتباره موقفاً سلبياً، بل تعتبره خياراً يخدم أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية. فاستقرار منطقة المغرب العربي والساحل يمثل أولوية بالنسبة لموريتانيا، في ظل التحديات الأمنية المتصاعدة التي تشهدها المنطقة.

ومن هذا المنطلق، تتجنب الدبلوماسية الموريتانية الانحياز إلى أي محور، انطلاقاً من قناعة بأن استمرار الحوار بين مختلف الأطراف يظل أكثر جدوى من تعميق الاستقطاب السياسي.

 

 

شراكة متنامية مع المغرب

 

وفي الوقت نفسه، شهدت العلاقات الموريتانية المغربية تطوراً لافتاً خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في المجالات الاقتصادية والاستثمارية.

فالمغرب يعد من أبرز المستثمرين الأفارقة في موريتانيا، مع حضور في قطاعات البنوك والاتصالات والزراعة والطاقة والبنية التحتية، إضافة إلى مشاريع استراتيجية مثل الربط الكهربائي والطريق الرابط بين السمارة وبئر أم اكرين، ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي.

كما تعزز الروابط الاجتماعية والثقافية والقبلية بين البلدين هذه الشراكة، إلى جانب حركة تنقل واسعة بين نواكشوط والدار البيضاء.

ورغم هذا التقارب، تحرص موريتانيا على الفصل بين علاقاتها الثنائية مع المغرب وموقفها من قضية الصحراء، بما يحافظ على هامش الحركة الذي اعتمدته في سياستها الخارجية.

 

 

البعد الاقتصادي للتوازن

 

تراهن موريتانيا على موقعها الجغرافي كحلقة وصل بين المغرب العربي وغرب إفريقيا، وتسعى إلى تحويل هذا الموقع إلى ميزة اقتصادية عبر تطوير البنية التحتية وتحسين مناخ الاستثمار وتعزيز الشراكات الإقليمية.

ويمنحها هذا التوجه فرصة للاستفادة من التنافس الاقتصادي بين المغرب والجزائر، دون أن يتحول إلى مصدر توتر سياسي داخل البلاد، مع العمل على ترسيخ دورها كبوابة للأسواق الإفريقية.

 

 

معادلة تزداد تعقيداً

 

غير أن الحفاظ على هذا التوازن يزداد تعقيداً مع تسارع التحولات المرتبطة بملف الصحراء، سواء على مستوى المواقف الدولية أو إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية.

وتجد موريتانيا نفسها مطالبة بالموازنة بين علاقاتها الوثيقة مع المغرب، واستمرار قنوات التواصل مع الجزائر والجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وبين تمسكها بالمرجعية الأممية باعتبارها الإطار الذي يمكن أن يوفر حلاً يحظى بشرعية دولية.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة استقبال الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني للوفد الصحراوي باعتباره امتداداً لسياسة دبلوماسية ثابتة، لا تستهدف إعادة تموضع سياسي بقدر ما تعكس حرص نواكشوط على الحفاظ على موقعها كطرف يحتفظ بعلاقات مع جميع الفاعلين، ويواصل الدفاع عن تسوية سياسية تحت رعاية الأمم المتحدة.

ومع استمرار تطور ملف الصحراء، ستظل قدرة موريتانيا على المحافظة على هذا التوازن أحد أبرز التحديات أمام سياستها الخارجية، في ظل بيئة إقليمية تتجه بصورة متزايدة نحو الاستقطاب، وتفرض على مختلف الفاعلين خيارات أكثر حساسية من أي وقت مضى.

 

مولاي ولد سيد احمد

ثلاثاء, 14/07/2026 - 16:08