
بعد سنوات من التصعيد، تبدو منطقة الساحل وقد دخلت مرحلة استنزاف طويلة، لم يعد فيها أي طرف يمتلك القدرة على حسم الصراع عسكرياً. ومع حلول موسم الأمطار، تتجدد الظروف التي تمنح الجماعات المسلحة أفضلية تكتيكية في حرب العصابات، فيما تواجه الجيوش النظامية صعوبة أكبر في الحفاظ على خطوط الإمداد والسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي.
فخلال هذه الفترة، تتحول الكثافة النباتية وتغير طبيعة التضاريس إلى عامل يحد من فعالية العمليات التقليدية، رغم استمرار التفوق الجوي الذي تمتلكه الجيوش النظامية. لكن هذا التفوق لا يكفي وحده لتغيير موازين القوى، إذ يتطلب نجاحه وجود سيطرة ميدانية مستقرة وقدرة على تثبيت المكاسب البرية، وهو ما لا يزال بعيد المنال. ونتيجة لذلك، يستمر نمط “الكر والفر”، وتتواصل الهجمات والكمائن، بينما يبقى المدنيون الحلقة الأكثر تضرراً، مع تنامي ظاهرة مجموعات الدفاع الذاتي واتساع دائرة الانتهاكات.
الاستنزاف بديلاً عن الحسم
غياب أي مسار وساطة سياسي يجعل جميع أطراف النزاع تراهن على إنهاك خصومها بدلاً من البحث عن تسوية. فالحكومات تعتبر أن مواصلة الضغط العسكري ستؤدي في النهاية إلى إنهاك الجماعات المسلحة، بينما تراهن الأخيرة على طول أمد الحرب واستنزاف القدرات البشرية والاقتصادية للدول.
ورغم أن بعض الدوائر الدبلوماسية والمتابعين لملف الساحل يتحدثون عن إمكانية إحياء مسار تفاوضي، يمتد من موسكو إلى نيامي مروراً بالجزائر وبرازافيل وباماكو، فإن المؤشرات الميدانية لا تزال بعيدة عن دعم هذا السيناريو.
فالتقارب الأخير بين الجزائر ومالي بعد انتهاء معركة أنيفيس لا يعني بالضرورة اقتراب مفاوضات سلام، بل قد يقتصر على إعادة تنظيم العلاقات الثنائية، في وقت يواصل فيه كل طرف تعزيز مواقعه العسكرية استعداداً لجولات جديدة من القتال.
غياب السياسة يطيل أمد الحرب
توازن الردع الحالي لا يشجع على تقديم تنازلات، بل يغذي مزيداً من التشدد. فكل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لصالحه، وأن مواصلة القتال ستؤدي في النهاية إلى إنهاك الخصم.
وفي المقابل، تبدو المبادرات السياسية شبه غائبة، إذ لا يظهر حتى الآن استعداد حقيقي لدى الحكومات أو الجماعات المسلحة أو حتى المنظمات الإقليمية والدولية لفتح نقاش جدي حول وقف إطلاق النار أو تبادل الأسرى أو إطلاق مفاوضات سياسية.
ومع استمرار هذا الجمود، يزداد خطر انتقال الأزمة إلى مرحلة أكثر تعقيداً، حيث تتحول الحرب من مواجهة عسكرية إلى صراع اجتماعي وعرقي طويل الأمد يصعب احتواؤه لاحقاً.
مالي: أنيفيس تكشف حدود القوة العسكرية
شكلت معركة أنيفيس خلال الأسبوع الماضي أبرز تطورات المشهد الأمني في مالي.
ففي 9 يوليو أعلنت القوات المسلحة المالية نجاحها في إيصال قافلة إمدادات إلى الحامية المحاصرة في أنيفيس قادمة من غاو، بعد عمليات برية وجوية مكثفة.
غير أن العملية كشفت أيضاً حجم التحديات التي تواجه الجيش المالي وحلفاءه، إذ تعرضت القافلة لسلسلة من الكمائن والهجمات باستخدام الطائرات المسيّرة الانتحارية وقذائف الهاون والعبوات الناسفة، نفذتها جبهة تحرير أزواد بدعم من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
ورغم نجاح القوات الحكومية في فك الحصار، فإن صور الآليات المحترقة والمركبات التي استولى عليها المهاجمون تؤكد أن العملية كانت مكلفة للطرفين، وهو ما يعكس استمرار ميزان الاستنزاف بدلاً من تحقيق نصر حاسم.
كما أعلنت هيئة الأركان المالية تنفيذ 15 غارة جوية استهدفت مواقع في أنيفيس وتبريشات وكوليبالا، مؤكدة تدمير 12 مركبة ومقتل عشرات المسلحين، بينما لم تعلن الجماعات المسلحة أي أرقام بشأن خسائر القوات الحكومية أو عناصر “فيلق أفريقيا” الروسي.
وفي 13 يوليو أقرت القوات المسلحة المالية بتعرض إحدى دورياتها لهجوم بعد تعطلها بفعل الأمطار قرب ندجيلا في منطقة سيغو، في مؤشر جديد على تأثير الظروف المناخية في سير العمليات.
في المقابل، أعلنت ميليشيات “إمغاد وحلفاؤها” و”حركة إنقاذ أزواد” المواليتان لباماكو عزمهما مواصلة التقدم نحو تينزاواتين، مع تداول تسجيلات تتحدث عن هدف استعادة كيدال التي فقدتها الحكومة في أبريل الماضي، بينما تبادل الطرفان الاتهامات بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين في مناطق شمال البلاد.
نشاط متواصل لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين
بالتوازي مع معركة أنيفيس، واصلت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تنفيذ عمليات متفرقة في عدة مناطق من مالي، شملت السيطرة على مواقع عسكرية وميليشيات محلية، واستهداف قوافل عسكرية بعبوات ناسفة وكمائن، إضافة إلى الاستيلاء على أسلحة وآليات.
كما أعلنت الجماعة في 13 يوليو مقتل سادو سماهونا، أحد قادة تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل والمنشق سابقاً عنها، والذي كان قد اكتسب تأثيراً دعائياً بعد توجيهه انتقادات علنية لقيادة الجماعة واتهامها بعقد تفاهمات غير معلنة مع بعض الحكومات في خليج غينيا.
بوركينا فاسو: المشهد الميداني دون تغير كبير
في بوركينا فاسو، حافظت العمليات العسكرية على الوتيرة نفسها تقريباً مقارنة بالأسبوع السابق.
وتبنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين السيطرة على عدد من مواقع الجيش ومتطوعي الدفاع عن الوطن في شمال البلاد، إضافة إلى موقع آخر في ديدوغو يوم 12 يوليو، مع استمرار نشر صور للأسلحة والعتاد الذي تقول إنها استولت عليه.
ويُرجح بعض المراقبين وجود تنسيق ميداني بين العمليات التي شهدتها بوركينا فاسو والهجوم الواسع الذي استهدف أنيفيس في شمال مالي، وإن كانت الأدلة الحاسمة على ذلك لا تزال محدودة.
النيجر: تعميق الشراكة مع موسكو
سياسياً، استضافت نيامي في 8 يوليو الجولة الثانية من المشاورات بين تحالف دول الساحل وروسيا، بمشاركة وزراء خارجية مالي وبوركينا فاسو والنيجر ونظيرهم الروسي سيرغي لافروف.
وركز الاجتماع على تعزيز التعاون الأمني والعسكري، وتكثيف التنسيق في مكافحة الجماعات المسلحة، إضافة إلى توسيع الشراكات الاقتصادية في مجالات الطاقة والبنية التحتية، مع التأكيد على مواجهة ما وصفته الأطراف بحملات التضليل الإعلامي.
بين الميدان والدبلوماسية
تكشف تطورات الأسبوع أن الصراع في الساحل لا يزال يدور داخل دائرة مغلقة: مكاسب عسكرية مؤقتة، تليها هجمات مضادة، ثم إعادة انتشار للقوات، دون أن ينجح أي طرف في فرض واقع استراتيجي جديد.
وفي ظل غياب مسار سياسي جاد، واستمرار الرهان على القوة وحدها، تبدو المنطقة مرشحة لمزيد من الاستنزاف، مع تصاعد المخاطر الإنسانية والأمنية، واتساع احتمالات امتداد عدم الاستقرار نحو دول خليج غينيا، بما يجعل البحث عن تسوية سياسية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
مولاي ولد سيد احمد



.jpeg)

.jpeg)