كفاكم احتقارا لأمهاتنا!

يُراد للرأي العام أن يرى في توزيع السلل الغذائية على المواطنين عملاً إنسانياً وخدمة جليلة للفقراء تستحق الإشادة،لكن المشهد الحقيقي الذي يتكرر على الأرض اليوم في جميع مناطق البلاد  يروي قصة مختلفة تماماً !

 المئات من المواطنين يصطفون في طوابير طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة و ينتظرون ساعات من أجل الحصول على سلة غذائية محدودة، في صورة مؤلمة  تختزل حجم المعاناة وتكشف عمق الأزمة الاجتماعية في هذه البلاد.

المشكلة ليست في تقديم المساعدة للفقراء، فالدولة  مسؤولة عن حماية الفئات الأكثر هشاشة،لكن الإشكال يكمن في تحول هذه المساعدات إلى بديل عن التنمية، وإلى وسيلة لإدارة الفقر بدلاً من القضاء عليه.

 فالمواطن لا يحتاج إلى سلة غذائية كل بضعة أشهر بقدرما يحتاج إلى وظيفة، وتعليم جيد، وخدمات صحية، واقتصاد يوفر له دخلاً دائما يطعم أطفاله ويحفظ كرامته. إنه يحتاج فقط الى توزيع عادل لثروة بلاده.

وما يزيد من مرارة المشهد أن هذا يحدث في بلد يملك مقدرات  كبيرة كان من المفترض أن تنعكس على حياة المواطنين. غير  أن عوائد هذه الثروات تذهب إلى الفساد لتنتفخ بها بطون وجيوب طبقة تستحوذ على كل شيء ، بينما تعاني غالبية  السكان  من الفقر والبطالة وارتفاع تكاليف الحياة.

في أيدي أولئك المتخمين  تجتمع الثروة ولهم الرواتب العالية والسيارات الفارهة والقصور الشاهقة وللأكثرية من شعبنا حفنات من القمح يُحْصَلُ عليها في ظروف بالغة القساوة .

إن مشاهد الطوابير ليست دليلاً على نجاح برامج العون ، بل هي  مؤشر يؤكد  اتساع رقعة الحاجة ودرجة الحرمان . فكرامة الإنسان لا تُقاس بعدد السلل الغذائية التي يحصل عليها، وإنما بقدرته على توفير احتياجات أسرته بعمل كريم ودخل مستقر.

كما أن تحويل عمليات توزيع المساعدات إلى مادة للدعاية الإعلامية يثير تساؤلات مشروعة حول أخلاقيات هذا الأسلوب وما يخلفه من آلام نفسية للمستفيدين وذويهم حين تجتهد السلطة في أرشفة الأيادي السفلى وتوثق لحظات انكسار ام تريد اطعام اولادها الجياع.

 لا تحتاج أمهاتنا لصور تُوثق استلامهن كيساً من الأرز أو السكر، بل ينتظرن سياسات اقتصادية واجتماعية تعالج جذور الفقر وتفتح أبواب الإنتاج والاستثمار وتكافؤ الفرص وتعيد إليهن شيئا من الكرامة والكبرياء.

إن التنمية الحقيقية تبدأ عندما يصبح الدعم الاجتماعي استثناءً لا قاعدة، وعندما تتحول ثروات البلاد إلى مشاريع وفرص عمل وبنية تحتية وخدمات عامة يستفيد منها الجميع. عندها فقط تختفي الطوابير، ويستعيد المواطن كرامته، وتصبح الدولة شريكاً في صناعة المستقبل، لا مجرد موزعٍ لمساعدات مؤقتة لا تعالج أصل المشكلة وإنما تعيد انتاج اهانة واذلال اهلنا.

 

الشيخ احمد مودي

مدير وكالة كيفه للأنباء

أحد, 28/06/2026 - 14:47