تحبيس المخطوطات على مساجد مدائن التراث

عرفت مساجد مدائن التراث ببرنامجها الثقافي المتنوع، وقد شرحت ذلك في مقال سابق خاص بمسجد مدينة شنقيط، وقد بينت ساعتها أن المسجد يمتلك خزانة خاصةبمخطوطاته، وأن له حصة دراسية تختص بقراءة الجامع الصحيح للبخاري في وقت معلوم بينته هناك، ولهذا السبب كان سدنة العلم من العلماء الميسورين يوجهون صدقاتهم إلى المسجد متمثلة في أوقافهم وتحبيسهمللمخطوطات، وقد وقفت على تحبيس العلامة سيد عبد الله بن الحاج إبراهيم لكتاب الجامع الصحيح، وقد جاء المنطوق بقوله:" الحمد لله وحده، حبس كاتب الحروف عبد الله بن إبراهيم بن الإمام العلوي، أعلاه الله تعالى آمين، هذا الكتاب المكتوب على ظهر أول ورقة منه، وهو جامع البخاري على مسجد شنقيط، وجعل ناظره من ولي إمامة الصلاة به، يبتغي به ثواب الله ورضاه، لا يبدل ولا يغير، ومن تعدى فالله حسيبه وولي الانتقام منه. وشهد على ما بأعلاه مع معاينة الحوز، محمد عبد الرحمن بن الخليفة، لطف الله بهم. آمين. وشهد على ما بأعلاه" .. كما حبس عليه كتاب كنز العمال في صنعة الأقوال والأفعال.

ومما وقفت عليه تحبيس أحدهم لشرح البخاري أيضا، حيث جاء في الوثيقة ما نصه:" تم الجزء الثاني من القسطلاني على يد كاتبه لجماعة أهل شنجيط، ووقفوه على مسجدهم وقفا مؤبدا ويكون بيد من يقرأ البخاري سوى كان هو إمام المسجد أم لا، والقارئ في هذا الزمن محمد بن الإمام عبد الرحمن، وهو إمام المسجد الآن عام 1266ه. أحمد بن عبد الرحمن الإمام. تيب على الجميع،آمين.

أما مدينة تيشيت فإن مسجدها هو الآخر كان منبر علم، شهد قراءة الكتب المشهورة مثل صحيح البخاري بشراحه، وكذا كتاب الشفا للقاضي عياض، ومن هذا المنطلق فقد وقفت على تحبيس: الجزء الثاني من نسيم الرياض على الشفا، وهو من شراحه المشهورين، وها هو أحد أعلامها يحبس نص الشفا، حيث قال:" ملكه الله تعالى المختار بن تياه بن إبراهيم بن اعلثم، حبسه على من تصدر لقراءة الشفا في مسجد محروسة تيشيت في أي نواحي المسجد قرأه ذاك المتصدر، لا خصوصية لمجلس به عن مجلس، ثم أشرك مع مجالس المسجد كل من تأهل للاستفادة من هذا الكتاب من أهل تيشيت من عامة المتأهلين، لا يمنع ممن لا يضيعه منهم، يرجو بذلك ثواب الله الجسيم، وفضله العظيم". وقد جعل الناظر اليوم نفسه تحت يده يَكُونُ، ومنها يُؤخَذُ، وإليها يُرَدُّ، إلا من أنابه مناب نفسه في ذلك كله، ثم بعده يكون الناظر من تأهل للعلم من أولاده بعده، وهو داخل في جملة الموقوف عليهم بتأهله للاستفادة. وقد ختم هذا الصك البديع بقوله: "والله تعالى يثيبه ثواب من أحسن عملا، ولا يخيب له أملا، وكتبه مثبتا له في شوال من عام اثنين وستين ومئتينوألف(1262ه) فقير مولاه محمد بن محمد الصغير بن انبوج، سامحه الله,

ومن ورع هؤلاء ومراجعتهم لوثائقهم أن ما سطر أعلاه رجع عنه المحبس وأثبت ذلك الناسخ للوثيقة القاضي المتفنن محمد بن محمد الصغير بن انبوج، بقوله:" هذا المضروب عليه رجع عنه مما يتعلق بالناظر رجع عنه الواقف، وأوقف النظر على من يتولى قراءته في المسجد من آل الأمين بن الحاج، وكتبه من أمره بإلحاقه والضرب علي ما ضرب عليه، فقير مولاه محمد بن محمد الصغير بن انبوج سامحه الله.

إن قراءة صحيح البخاري في مسجد المحروسة مدينة تيشيت عضضته أيادي كريمة بوقفها شراحه، ومن أشهرهم: فتح الباري على صحيح البخاري، فقد جاء في وثيقة ما نصه: الحمد لله وحده، وصلى الله على من لا نبي بعده،

ليعلم ناظره ومتأمله، أن الحاج خيار بن الطالب المصطفى اللادمي، أقر وهو بحال المواخذة بالاقرار ولزومه، أنه حبس هذا المجلد وما بعده إلى انتهاء آخر الكتاب على مجموع تأليف العلامة أبي العباس أحمد بن علي بن محمد المشتهر بابن حجر في شرح صحيح الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، تحبيسا مؤبدا على مسجد أهل تيشيت، أهل القراءة منهم الأمثل فالأمثل، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، قاصدا بذلك وجه الله الكريم وثوابه(العميم، ولا يغني) بكثير عن قليل، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملا .. ومن سعى في تبديله أو تغييره فالله حسيبه...عام الثامن والستين بعد ..محمد بن الإمام محمد بن الإمام ...

كما وقفت على وثيقة تماثل صاحبتها في مضمونها، وإن كانت هذه قد احتفظت بخصوصيتها حيث قال المحبس:" الحمد لله وحده، وصلى الله على من لا نبي بعده،

هذا وليعلم الواقف عليه أن هذا الجزء من صحيح البخاري وقف على مسجد تشيت، يُقْرَأ فيه سواء فيه الجانب الشرقي والساحلي، ولا يستبد أحد منهما دون الآخر، وكذلك يقرأ في الدارين اللتين يقرأ فيهما على العادة المألوفة. ولا يمنع من متعلم يتعلم فيه لا يخرجه من القصر، وناظره اليوم محمد عبد الله الملقب ناجم، ثم يكون النظر للكاتب أو للمختار سر بن سعد، ثم لعصبة الكاتب إن كانت أهلية للنظر، فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه. وكتبه في أواسط رجب الفرد عام إحدى وتسعين ومئتين وألف، فقير مولاه محمد بن محمد بن أبي بكر الملقب انباك. غفر الله للجميع آمين.

وقد ألحق المحبس هذه الوثيقة بتذييل دقيق ونادر في مثل تلك البقعة حيث قال:" إلحاق: ثم إن تعطل مسجد تشيتأعاذه الله من ذلك فيكون للعامر من مساجد التكرور حيث كثر فيه أهل تشيت، وبه كرر اسمه: محمد بن محمد بن أبي بكر الملقب انباك".

وحتى تكون الوثيقة في كمال صدقيتها وصحتها أشهد عليها بما يلي:" وأشهدني الواقف على ما كتب بيمينه فوق لتاريخه محمد عبد الله الملقب ناجم تيب عليه آمين". 

ثم جاءت الشهادات تترى بقول الشهود: "وأشهدني المحبس على ما كتب بيمينه فوق من التحبيس على الكيفية المذكورة في خطه لتاريخه عبيد ربه المختار بن محمد بن سعد، رحم الله الجميع.  

وأشهدني الواقف على ما كتب بيمينه فوق لتاريخه أحمد بن سيد أحمد بن سيد المختار بن أبكر بن الطالب هام. 

وأشهدني المحبس على ما كتب بيمينه فوق لتاريخ تقدم له وإشهاد تأخر لمن أشهده على كيفية من ذكر فوق من التحبيس، فقير مولاه سيد محمد بن الحاج بن سيدن بن الحاج أعمر رحم الله الجميع آمين.

فهذه جمهرة من الشهود العدول _ رحمهم الله تعالى_ على هذه الوقفية النادرة على مسجد المحروسة تيشيت.

إن هذه مجموعة من صكوك التحبيس أردت بها أن أثبت هذا الفعل الخيري الذي تميز به الخيرون من العلماء ورثة العلم، والأغنياء من ذوي الدخل الفائض، أرادوا به الثواب في الدنيا والآخرة، وأن يكونوا من أولئك الذين قال فيهم الحديث الشريف، إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، ومنهم بث العلم، والصدقة الجارية وهي الحبس، رحمهم الله تعالى وتقبل أعمالهم.

 

إسلم بن السبتي

أستاذ بالمدرسة العليا للتعليم

ثلاثاء, 12/05/2026 - 14:53