أزواد وموريتانيا: الجغرافيا التي مزقتها السياسة

كانت الأراضي التي كان يفترض أن يحتلها كوبولاني أوسع بكثير من الإرث الذي وصل إلينا تحت اسم موريتانيا، إذ كانت تشمل الصحراء الغربية التي لم تكن قد مُنحت بعد لإسبانيا، وأزواد الجغرافي، أي منطقة البيظان.

 

غير أن مصالح القوى الاستعمارية وتوازناتها من جهة، ومتطلبات الوصول إلى الأراضي الداخلية وتسهيلات إدارتها من جهة أخرى، حسمت الأمر على نحو مختلف. وهكذا قُسِّم الجزء الأساسي من بلاد البيظان، في النهاية، إلى نصفين يكادان يكونان متساويين.

 

أما النصف الغربي، الذي عُثر له في الطريق على اسم موريتانيا، فقد أُلحق إداريًا بالسنغال، في حين أُلحق النصف الشرقي بإدارة مالي.

 

ولحسن حظ موريتانيا، اندلع نزاع خطير في الحوض سنة 1940. وسرعان ما تبين أن حفظ النظام في الحوض لا يمكن أن يُدار انطلاقًا من باماكو، فتم خلال السنوات اللاحقة إلحاق الحوضين بموريتانيا.

 

أما بيظان أزواد، الذين كانوا في قلب المركز الرئيسي للطريقة القادرية، أي مركز كُنْتة بقيادة الشيخ سيدي المختار، فقد تُركوا ضمن التبعية لباماكو، لأنهم لم يكونوا معنيين بالاضطرابات. 

 

ولا حاجة للإسهاب في التاريخ المشترك العريق، فهو بديهي، ولا في الانتماء إلى المجتمع نفسه، فذلك ليس موضوع نقاش أصلًا. وبالنسبة للناس، فإن مجرد انتساب الشيخ سيدي المختار إلى أزواد يكفي في حد ذاته لتذكيرهم بالوحدة التي انكسرت. ولا يخلو الأمر من أناس يخطئون في تحديد المثوى الأخير لهذا الشيخ الكبير: أهو بين أكجوجت ونواذيبو، في فاصك، أم في ولاتة؟ والحقيقة أنه ببساطة في أزواد.

 

وليس الشيخ سيدي المختار شخصية عادية، إذ كان شيخًا للشيخ سيديا، والشيخ القاضي، والشيخ المصطفى، وغيرهم من أعلام الغرب، كما أنه أشع بعلمه على كامل الصحراء الكبرى الغربية، قبل أن يراها الأوروبيون باعتبارها “بحرًا بلا ماء” يستحيل فيه العيش وتمتد فيه المسافات بلا نهاية.

 

وقبل قرن الشيخ سيدي المختار، أي في القرن الثامن عشر، كانت المبادلات والتأثيرات تسير في الاتجاه المعاكس، وخصوصًا انطلاقًا من ولاتة. لكن المؤرخين يعتبرون أيضًا أن وادان كانت في أصل الثروة الثقافية لـتمبكتو، وأن العالم الشهير أحمد بابا التنبكتي تعود جذوره إلى المدينة القديمة في آدرار. وهنا ينكشف جانب كبير من لغز وادان.

 

فانحدار هذه المدينة وتراجعها مقارنة بجاراتها كان مما يدعو إلى الاستغراب. فلم يكن وراء سقوطها أي هجوم همجي، كما أن فقدان الحيوية لا يمكن تصوره من دون عوامل أولية فاعلة في مدينة كان يقال إنه كان يوجد في شارع واحد منها أربعون عالمًا، ليس لأي واحد منهم ما يتعلمه من الآخر. ولعل وادان قد نقلت عصارتها، أو تفرعت، أو هاجرت، مبكرًا جدًا وبعيدًا جدًا.

 

ومن الصعب علينا اليوم أن نتصور كم كان من السهل آنذاك إقامة علاقات منتظمة بين وادان وتمبكتو. وسبب ذلك أن تصور الزمن كان مختلفًا. فالسفر يومًا أو يومين لم يكن يُعد سفرًا أصلًا. السفر الحقيقي كان يعني الانتقال من مدينة صحراوية إلى أخرى، أو إلى عدة مدن.

 

(..)

 

وللبيظان، من جهة الشرق، جيران هم الطوارق الذين يتعايشون معهم في أزواد، بمعناه السياسي الجديد. ويمتد العالم الطارقي بشكل أكثر كثافة نحو النيجر، متجاوزًا وادي أزواك وجبال آير، حتى حوض تينيري. وبعد ذلك يبدأ صحراء الشرق، حيث عالم التبو وكثافة عرب أولاد سليمان، وهم عرب طردهم الأتراك من ليبيا في القرن التاسع عشر، فانتشروا في بوركو وكانم.

 

غير أنه لا ينبغي تجاهل حقيقة أنه إلى شرق أزواد يوجد بيظان أصليون في أزواك النيجري، يتحركون بطبيعتهم مع مواشيهم، ولهم قرى، ويحمل زعيمهم اللقب الفخم: “سلطان العرب”. وهم أيضًا يتعايشون مع طوارق النيجر.

 

وفي أزواد بالمعنى الواسع، كان الطوارق، عبر التاريخ، القوة الأساسية، مع أن البيظان، باعتبارهم قوة نوعية، فرضوا أنفسهم دائمًا على المستويين الروحي والسياسي – مثل كُنْتة وأشراف أراوان – كما فرض البرابيش، المنحدرون من حسان، احترامهم عسكريًا. وتؤكد المؤرخة كوكويري-فيدروفيتش أن مدينة تمبكتو استعادت في منتصف القرن التاسع عشر قدرًا من الاستقرار وأعادت بريقها الروحي تحت “الإدارة الفعالة والذكية للعرب الكُنْتة، وعلى رأسهم الشيخ البكاي”.

 

وكثير من القبائل الطارقية الكبرى تُرجع أصولها إلى أسلاف عرب. فـ"كل أنصار"، وهم الأقرب، يعتبرون أنفسهم – كما يدل اسمهم – من الأنصار. أما الإيفوغاس فيقولون إنهم ينحدرون من أشراف تافيلالت. ونحن نجهل الروابط القديمة التي قد تكون قائمة بين قبيلة عدنان وعرب الشمال: مضر وربيعة وإياد. وعلى كل حال، فإن لغة الطوارق المكتوبة، التيفيناغ، هي لغة سامية مثل العربية والسريانية والآرامية وشقيقاتها.

 

وعندما وصل الأوروبيون في أواخر القرن التاسع عشر، كان رد فعل الطوارق شبيهًا تمامًا برد فعل البيظان: مقاومة متفرقة ولكن شرسة. وقد لبّى كثير منهم، مثل غيرهم من سكان الصحراء الكبرى الغربية، نداء الشيخ ماء العينين، روح المقاومة، وقاتلوا إلى جانبه، أو إلى جانب عابدين ولد الشيخ. فيما لعب آخرون أدوارهم بشكل منفصل.

 

وحين انغلقت أحزمة الاستعمار، جاءت بعد ذلك أحزمة أخرى أشد ضيقًا: تلك الحدود الرهيبة التي تجاهلت المجتمع والتاريخ ومشاعر الناس. وفي يوم ما، أُبلغ الناس أنه صار ممنوعًا التنقل والترحال وراء خطوط معينة، وأن عليهم أن يقطعوا كل اتصال وكل علاقة وكل تجارة مع الإخوة والأقارب في الجهة الأخرى. لقد كانت سجنًا، سجنًا معنويًا، مؤبدًا.

 

وهكذا تبدّل معنى الاتجاهات نفسها، وكأن تعديلًا طارئًا أصاب الجهات الأصلية منذ آلاف السنين. فلم يعد الغرب هو الغرب، ولا الشرق هو الشرق. بل صارت لهما أسماء أخرى غريبة، يصعب حتى نطقها: أسماء مصطنعة وُضعت للدلالة على المستعمرات الجديدة. وقد بدت هذه الأمور للمعاصرين وكأنها نزوة جديدة من نزوات الاستعمار، أو ظلمًا جديدًا.

 

وقد ظل الوضع القائم للحدود، الذي حُسم نهائيًا سنة 1945 بعد إلحاق الحوضين بمستعمرة موريتانيا، قائمًا إلى غاية استقلالات 1960 الإفريقية.

 

غير أن فرنسا، سنة 1957، وقد أدركت الطابع المصطنع جدًا لإلحاق الصحراء بمستعمرات السافانا – التي يُطلق عليها اليوم اسم الساحل – الواقعة جنوبها، تصورت مشروعًا يضم لا الصحراء الكبرى الغربية فقط، بل كذلك صحراء الشرق وصحراء الشمال، ضمن كيان واحد هو: المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية (OCRS). وكانت موريتانيا هي المستعمرة الوحيدة التي كان سيُدمج ترابها كاملًا في هذه المنظمة.

 

وكان لهذه المنظمة مجلس أعلى مثل فيه موريتانيا أمير الترارزة محمد فال ولد عمير. لكن المشروع كان طموحًا أكثر مما ينبغي، وكان يزعج مصالح مستعمرات السافانا، وقبل كل شيء جاء متأخرًا جدًا، في خضم حرب استقلال الجزائر، فبدا وكأنه قتال مؤخرة. ومع ذلك، فقد استقبلته شعوب أزواد وأزواك وتيبستي-إنيدي-بوركو بحفاوة كبيرة.

 

وحدها موريتانيا، بين جميع المعنيين، وهي التي كانت لها أكبر مصلحة فيه، عارضته بشدة. فقد كان سيدي المختار ولد يحيى انجاي، الذي كان آنذاك أول شخصية في موريتانيا – مع أن الناس يميلون كثيرًا إلى نسيان ذلك – لا يرى مكانه فيه، كما أن المختار ولد داداه، الذي كان سيدي المختار قد زكّاه لتوه، أدرك هو أيضًا بسرعة أن طموحاته المستقبلية ستُجهض داخل كيان واسع كهذا.

 

أما ممثلو المناطق الصحراوية الأخرى، فكانوا في الغالب قليلي التعليم، ضعيفي النفوذ، محدودي الرؤية تجاه الرهانات الخفية، ولذلك بقي صوتهم خافتًا، ولم ينجحوا في الدفاع عن هذا المشروع، الذي – وإن كان استعماريًا – لم يكن أكثر استعمارية من القانون الإطاري الذي منح حكومة محلية يرأسها حاكم المستعمرة، وكان يضم، بالنسبة لموريتانيا، كمبانييه موريس وزيرًا للمالية، وساليت وزيرًا للتجهيز.

 

وفي النهاية، اجتمعت الجمعية الوطنية الفرنسية في جلسة عامة للحسم النهائي في مصير الـ OCRS. وبتقاطع ظروف معينة، كان ممثل الحكومة الفرنسية في تلك اللحظة هو فليكس هوفويت بوانيي، وزير الدولة لدى رئاسة المجلس – نعم، نفس الرجل الذي سيصبح لاحقًا رئيسًا لكوت ديفوار – وكان من الواضح أنه يمثل مصالح مستعمرات السافانا التي كانت ستُقتطع منها المناطق الصحراوية. وشجعت الجمعية الوطنية، بإيعاز من ممثل الحكومة، على دفن آخر محاولة لمنح شعوب الصحراء الكبرى إطارًا يكون إطارها، وتشعر داخله بالارتياح.

 

إننا نعرف جيدًا الحرب الأهلية الطويلة في تشاد، التي اندلعت حين أزالت حكومة ذلك البلد اللغة العربية من الدستور. أما التمردات وعمليات القمع المتتالية في النيجر ومالي فهي أقل شهرة.

 

وقد عرفت مالي أول تمرد بين 1962 و1964، وكان يقوده رؤساء القبائل والأعيان التقليديون، من الطوارق والمور معًا. أما الذين لم تستطع مالي اعتقالهم، فقد سلمهم بن بلة. ولم ينجُ منهم أحد، إذ أُعدموا جميعًا. والوحيد الذي بقي حيًا كان أمير كل أنصار، محمد عالي، الذي لجأ إلى المغرب وعاش تقريبًا حتى المائة عام. وقد توفي قبل سنوات قليلة فقط. ويقال إن أحد أبرز قادة الحركة الوطنية لتحرير أزواد، محمد أغ نجم، هو ابن أحد الذين أُعدموا سنة 1964.

 

أما الأسباب المباشرة لتمرد الستينيات، فتمثلت في أنه، بدل العسكريين الفرنسيين الذين كانوا أكثر ذكاءً وحنكة، احتل أزواد العسكريون الماليون، وتصرفوا كما لو كانوا في أرض مفتوحة بالقوة، في جميع مجالات حياة الناس، الخاصة والعامة، إلى حد تجريد السكان من آخر ما يملكونه من أشياء مادية. لقد كان ذلك شكلًا من الاستعمار المتخلف الرثّ، الذي لا يملك ما يقدمه مقابل سيطرته سوى الخشونة والبؤس.

 

يتبع

 

محمد يحظيه ولد بريد الليل

سبت, 02/05/2026 - 12:07