
الفساد آفة من الآفات الملازمة للبشر، كجزء من صراع الخير والشر.
غير أن مستوى الفساد يختلف من مجتمع لمجتمع، ومن نظام إلى آخر.
ولكن الأهم هو الجهد المبذول في مكافحة الفساد، ومنع انتشاره، ومعاقبة مرتكبيه بالعدل. والذي نعنيه هنا هو الفساد في الشأن العام، سواء كان ماديًا كالاختلاس والرشوة، أو معنويًا كخيانة الأمانة وإسنادها لغير أهلها بالمحسوبية واستغلال النفوذ والغبن والظلم…
وينقسم تاريخ الفساد في الدولة الموريتانية الحديثة إلى ثلاث حقب أو ثلاثة أنواع:
أولا: فترة نظام ولد داداه التأسيسية، ولم تخلُ من الفساد، خاصة في عهدها الأخير الذي خربته الحرب… ولكن كان رأس النظام يتألم لذلك الفساد ويحاول مكافحته ما استطاع، وظل في حدود ضيقة، مع معاقبة إلى حد ما…
ثانيا: فترة نظام ولد الطايع، وهي فترة طويلة تجذر فيها الفساد وتمددت عروقه في كل اتجاه.
وكانت فلسفة ولد الطايع ترى أن للفساد فوائد سياسية تخدم حكمه وتمكنه من السلطة. ولهذا كانت تصريحاته وتعليقاته تؤكد رؤيته وإدراكه لما يستشري في نظامه من الفساد، ولكنه لا يحرك ساكنًا أبدًا لمنعه أو تجريمه.
ومن ثم اتخذ الفساد في عهده انتشارًا عموديًا في الدولة والحكم، تمثل في تفليس وتدمير مؤسسات الدولة أو تركها تموت… كما اتخذ الفساد انتشارًا أفقيًا في النظام والمجتمع، تمثل في احتقار القانون وتمجيد القبلية، وانتهاك المجال العام وتشريع “الكزرة”… وإفراغ التعليم والصحة من المضمون وسحق الفقراء…
ورغم طول الفترة، لم ينجز ولد الطايع شيئًا يذكر إلا ما كان يخدم تمكين وتحصين سلطته الفردية؛ مثل إنشاء جيش مدلل خاص بحمايته (الحرس الرئاسي) الذي تغول عليه وأكله في النهاية!
ولم يدخر ولد الطايع شيئًا في سبيل حماية حكمه، ابتداءً بنشر الفساد المالي كرشوة عامة، وانتهاءً بالتطبيع مع العدو الصهيوني المنبوذ، ومرورًا بقتل وسجن ونفي فئة من شعبه…
ثالثا: فترة نضوج الفساد وظهور ثمراته، والألفة والسلام معه، وتمكنه من فرض سيطرته المطلقة ببجاحة، وموت الشعور بخطره… وهذا هو عصره الذهبي الذي نعيشه حاليًا في كل الاتجاهات والمجالات، والذي هو ثمرة لغرس نظام ولد الطايع ومن اقتفوا أثره…
فالفضل الحقيقي لمؤسسه الرئيس ولد الطايع، الذي يعيش بعضنا هذه الأيام “نوستالجيا” عهده المسموم!
م. محفوظ ولد أحم



.jpeg)

.jpeg)