جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين 

قد لا يصح وصف التحالف الجديد بين جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين بالتحالف الظرفي، ربما لأن كل ما في الصحراء ظرفي ومركب وهجين. وليس هذا التحالف بالمخالف لطبيعة الأشياء في أزواد، كما يوصف من طرف أغلب المراقبين لشأن مالي هذه الأيام. فالتكتلات السياسية العسكرية في أزواد، أو لنقل قادة هذه التكتلات من الرجال الكبار Big Men هم في الغالب الأعم ذوو مسارات ثرية تختلط فيها الثورة ضد الحكم المركزي وعلى البنى التقليدية بالمناورة السياسية ضد باماكو وجنوحا إليها أحيانا، أو هما معا في الآن ذاته، وتشتبك مع خطوط المحاور والتحالفات في المنطقة والإقليم. وفي هذا المسار تشتد الحاجة للبقاء على متن الفعل السياسي والاقتصادي في صحراء يحتدم فيها التنافس وتتنوع فيها المخاطر وتتسارع فيها التغيرات، وتدفع ضرورات الوجود والاستدامة إلى خيارات غير متوقعة في أغلب الأحيان.

صحيح أن سؤالا حرجا ووجهت به جبهة تحرير أزواد منذ الأيام الأول لهذه الهجمات بشأن تقاطعها مع إيديولوجيا وتوجهات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين. وهو سؤال تجيب عليه الجبهة بما تواجهه من ضغوطات عسكرية من جيش مالي ومن معه من المقاتلين الروس وبالصمت الدولي إزاء ما توثقه تقارير منظمات دولية عما يرتكب في حق سكان أزواد من تجاوزات وانتهاكات. وتسُــوق الحركة، نفياً لهذا التماهي، معارك دامية سابقة بينها وبين الجماعة المرتبطة بالقاعدة، وتعزو هذا التقارب، إخراجاً له من دائرة الإيديولوجي العقدي والسياسي وربطاً له بالديناميات المحلية، إلى جهود ووساطات تقودها زعامات محلية قبلية منذ نحو سنتين. 

ولم يكن هذا التحالف على حساب جبهة تحرير أزواد وحسب. فجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وإن احتفظت ببعض قاموسها الجهادي في بياناتها الأخيرة، فقد نحت نحو خطاب جديد تبنت فيه وغرفت من قاموس جبهة تحرير أزواد وغيرها من الحركات الثورية وهبَّـات التمرد، واعتمدت في دعايتها على هذه التقاليد.. هكذا حضرت "القوى الحية" و"الأحزاب السياسية" و"الغيرة على الوطن" و"الوطنيون المخلصون" وغيرها من مفردات قاموس الدولة الوطنية، وانحسرت نوعا ما مفردات الخطاب الجهادي العابر للحدود، فيما تعتمده هذه الجماعات من دعايات وأساليب. ولم تر جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ضيرا حتى في دعوة القوات المسلحة المالية إلى الالتحاق بها في هذا المشروع. ولأول مرة حضرت مالي، كمشروع سياسي مستقل في بيانات بثتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين حصرا باللغة الفرنسية بمعزل عن بوركينا فاسو والنيجر. 

وليست هذه أول مرة تجد فيها الحركات المرتبطة بالقاعدة نفسها مضطرة للتعامل مع واقع الأمر وتجاوز الخطوط المؤسسة لأيديولوجيتها. ففي تجربة حركة ماسينا وتسييرها لمناطق الرعي والكلأ في دلتا النيجر واعتمادها للتقاليد الفلانية في هذا الشأن قدرة على الانحناء أمام الخصوصيات المحلية، بل واستغلالها للتجذر والاكتتاب. وفي تسجيلات حمدون كوفا باللغة الفلانية ودعوته حصرا أبناء هذه القومية في دول خليج غينيا إلى الالتحاق بحركته مثال آخر على هذه البراغماتية والاستغلال. 

ويشحذ هذا التحالف ويغذي خطابا لحركة أخرى تنشط في مالي وعموم الساحل وتخوض ضدها نصرة الإسلام معارك باستمرار، ألا وهي تنظيم الدولة الإسلامية الذي شن هجوما على الجماعة بعد إعلان هذا التحالف والتنسيق، واتهمها بالسعي لكسب ود المجتمع الدولي والانحراف عن جادة الصواب.

جمعة, 01/05/2026 - 21:36