
ما يجري في مالي اليوم لا يمكن النظر إليه باعتباره شأنًا داخليًا ماليًا صرفًا، لأن أي اهتزاز كبير في مركز السلطة في باماكو ستكون له انعكاسات مباشرة على المجال الإقليمي، وفي مقدمته موريتانيا. فالهجمات المنسقة التي ضربت، صباح 25 أبريل 2026، باماكو وكاتي وغاو وموبتي/سيفاري وكيدال، وأدت إلى إغلاق مطار باماكو مؤقتًا وإطلاق تحذيرات أمنية دولية، أظهرت أن قلب الدولة المالية نفسه بات عرضة لاختراق أمني واسع، حتى لو أعلنت السلطات لاحقًا استعادة السيطرة.
من زاوية المصلحة الموريتانية، لا يوجد في انهيار السلطة المركزية في مالي أي مكسب حقيقي. موريتانيا تحتاج إلى دولة مالية قائمة يمكن مخاطبتها والتنسيق معها أمنيًا وحدوديًا، لا إلى فراغ سلطوي تتوزع داخله مراكز القوة بين جماعات مسلحة، وفصائل متمردة، وشبكات تهريب، ومجموعات جهادية. فكلما ضعفت باماكو، زادت المساحات الرمادية على طول الحيز الحدودي الشرقي والجنوبي الشرقي لموريتانيا، وهي مساحات يصعب ضبطها عندما تتراجع سلطة الدولة المقابلة. وهذا الخطر يتعاظم خصوصًا مع المؤشرات التي تحدثت عن تورط فاعلين متعددين في هجمات السبت، بينهم جماعات مرتبطة بـتنظيمات جهادية ومقاتلون من جبهة تحرير أزواد وفق تقارير دولية، بما يعكس مشهدًا أكثر تركيبًا لا أزمة أمنية معزولة.
الضرر المحتمل على موريتانيا لا يقتصر على الأمن الحدودي المباشر. فكل تدهور كبير في مالي يفتح الباب أيضًا أمام موجات نزوح جديدة، ويضاعف الضغط الإنساني والاجتماعي والاقتصادي على المناطق الموريتانية القريبة من الحدود، في وقت تتحمل فيه البلاد أصلًا أعباء لجوء ونزوح إقليمي مستمر. كما أن اضطراب مالي يهدد طرق النقل والتجارة البرية الإقليمية، ويرفع تكلفة التأمين والحركة، ويغذي مناخًا عامًا من عدم اليقين في الساحل، وهو ما ينعكس على الاستثمار والتعاون الإقليمي وحسابات الأمن الداخلي في موريتانيا. والاستهداف المتزامن لمناطق مثل كاتي وباماكو وغاو وكيدال يوضح أن الأزمة لم تعد محصورة في الأطراف، بل باتت تمس العقد العسكرية واللوجستية للدولة المالية نفسها.
ثم إن سقوط باماكو أو اهتزازها العميق لن يعني بالضرورة صعود طرف منظم وقابل للتفاهم، بل قد يعني العكس تمامًا: تفتت السلطة وتكاثر الفاعلين المسلحين. وهنا تصبح موريتانيا أمام تحدٍّ أكثر تعقيدًا، لأن التفاهم مع دولة واحدة، مهما كانت ضعيفة، أسهل بكثير من التعامل مع خارطة نفوذ متحركة بين جماعات جهادية، وانفصاليين، وميليشيات محلية، وشبكات تهريب عابرة للحدود. هذا السيناريو هو الأسوأ بالنسبة لنواكشوط، لأنه يحول العمق المالي من جار مضطرب يمكن احتواء أزمته إلى مسرح مفتوح للفوضى.
لذلك، فإن المصلحة الموريتانية ليست في انهيار السلطة في باماكو، بل في منع الانهيار مع الحفاظ في الوقت نفسه على مسافة سياسية تحمي موريتانيا من التورط. المطلوب موريتانيًا هو دولة مالية متماسكة بما يكفي لضبط أراضيها والتنسيق أمنيًا، لا دولة منهارة، ولا حرب استنزاف طويلة حول العاصمة والمراكز العسكرية. ومن هنا فإن المقاربة الأكثر عقلانية بالنسبة لموريتانيا تبدو قائمة على ثلاثة مرتكزات: تعزيز الجبهة الحدودية، وتفادي الانخراط في الاستقطابات المالية الداخلية، ودعم أي مسار يفضي إلى استعادة حد أدنى من الاستقرار المؤسسي في الجار الشرقي. فالفوضى في مالي قد تبقى داخل مالي لبعض الوقت، لكنها في النهاية لن تتوقف عند الحدود.



.jpeg)

.jpeg)