تحليل: زيارة باريس وإعادة تموضع موريتانيا في الحسابات الفرنسية

لا تبدو الزيارة الرسمية التي أداها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى باريس مجرد محطة بروتوكولية في مسار العلاقات الموريتانية-الفرنسية، بل تحمل دلالات أعمق تتصل بإعادة ترتيب النظرة الفرنسية إلى موريتانيا داخل فضاء الساحل وغرب أفريقيا. فالتغطيات والتعليقات التي رافقت الزيارة في عدد من وسائل الإعلام الفرنسية تكشف بوضوح أن نواكشوط لم تعد تُقرأ فقط بوصفها شريكًا ثنائيًا تقليديًا، بل بوصفها نقطة ارتكاز في بيئة إقليمية فقدت فيها باريس كثيرًا من نفوذها السابق.

 

على المستوى السياسي والدبلوماسي، تعكس هذه الزيارة صعودًا واضحًا في مكانة موريتانيا داخل التصور الفرنسي الجديد للمنطقة. ففي وقت تراجعت فيه قدرة فرنسا على التأثير في عدد من العواصم الساحلية، تبدو نواكشوط، في المقابل، أكثر قابلية لأن تُقدَّم باعتبارها شريكًا مستقرا، وقادرًا على الحفاظ على قنوات التواصل والاتزان وسط مناخ إقليمي مضطرب. ومن هذه الزاوية، فإن الحفاوة السياسية التي أحيطت بها الزيارة ليست مجرد تعبير عن مجاملة دبلوماسية، بل مؤشر على رغبة فرنسية في تثبيت موريتانيا بوصفها شريكًا موثوقًا يمكن البناء عليه في مرحلة إعادة تشكل التوازنات الإقليمية.

 

وتعزز هذه القراءة أيضًا الصورة التي راكمتها الدبلوماسية الموريتانية في السنوات الأخيرة، والقائمة على الحذر، والتوازن، وعدم الانخراط في الاستقطابات الحادة. فموريتانيا، بخلاف دول أخرى في المنطقة، نجحت في الحفاظ على مساحة من الاستقلالية من دون أن تدخل في قطيعة مع شركائها الغربيين، وهو ما منحها موقعًا خاصًا في عين باريس، التي تبحث اليوم عن شركاء أقل صخبًا وأكثر قابلية للاستمرارية.

 

أما في البعد الأمني، فقد أظهرت الزيارة أن التعاون بين البلدين لم يعد محصورًا في المقاربة التقليدية المرتبطة باستقرار الساحل فقط، بل بدأ يتوسع نحو أفق أمني أوسع يشمل الساحل والواجهة الأطلسية معًا. فالنقاش حول الأمن لم يعد مقتصرًا على الجماعات المسلحة في العمق الصحراوي، بل بات يمتد أيضًا إلى الأمن البحري، والمراقبة الساحلية، وحماية المنشآت الاستراتيجية، وخصوصًا تلك المرتبطة بقطاع الغاز. وهنا تكتسب موريتانيا وزنًا إضافيًا، لأنها لا تُقدَّم فقط كدولة حدودية في فضاء هش، بل كذلك كبلد ساحلي صاعد في مجال الطاقة، يحتاج إلى مقاربة أمنية أكثر تعقيدًا وشمولًا.

 

ومن هذا المنظور، فإن زيارة الرئيس الموريتاني إلى بريست، وما أحاط بها من رمزية مرتبطة بالبناء البحري العسكري، توحي بأن فرنسا تنظر إلى موريتانيا باعتبارها جزءًا من بنية أمنية موسعة، لا تقتصر على مواجهة المخاطر البرية في الساحل، بل تشمل أيضًا حماية السواحل والبنى الحيوية والمجالات البحرية. وهذا تطور مهم، لأنه يعني أن نواكشوط لم تعد فقط شريكًا أمنيًا في محاربة التهديدات التقليدية، بل بدأت تدخل أيضًا في حسابات الأمن البحري والاستراتيجي الأوسع.

 

اقتصاديًا، تبدو باريس حريصة على إعطاء العلاقة مع موريتانيا مضمونًا أكثر كثافة وملموسية. فالمؤشرات الصادرة عن التغطية الإعلامية الفرنسية توحي بأن موريتانيا تُقرأ اليوم بوصفها بلدًا يملك فرصًا استثمارية واعدة، خصوصًا في قطاعات الغاز، والطاقات المتجددة، والصيد، والأنشطة المرتبطة بالبنى التحتية. وهذه النظرة تكشف انتقالًا نسبيًا في المقاربة الفرنسية من الاكتفاء بالبعد السياسي والأمني إلى محاولة بناء شراكة اقتصادية أكثر تماسكًا، مدفوعة بكون موريتانيا تُنظر إليها كفضاء أكثر استقرارًا من البيئات المضطربة في الساحل الأوسط.

 

وهذا مهم بالنسبة لنواكشوط، لأن القيمة السياسية والأمنية تظل محدودة الأثر إذا لم تتحول إلى مكاسب اقتصادية واستثمارية ملموسة. فموريتانيا يمكنها أن تستفيد من هذا التحول في النظرة الفرنسية إذا نجحت في تحويل صورتها كـ”شريك مستقر” إلى صورة “شريك جاذب” أيضًا، أي بلد آمن نسبيًا، لكنه كذلك قادر على استيعاب مشاريع استثمارية طويلة المدى.

 

في المحصلة، تكشف زيارة باريس أن موريتانيا بدأت تكتسب وزنًا خاصًا في المقاربة الفرنسية الجديدة للساحل وغرب أفريقيا. فهي لم تعد تُقدَّم فقط كحليف أمني في محيط مضطرب، بل أيضًا كفاعل إقليمي متزن، وشريك اقتصادي محتمل، ونقطة ارتكاز في فضاء يمتد من الساحل إلى الأطلسي. وهذه المكانة تمنح نواكشوط فرصة مهمة لتعزيز حضورها الإقليمي والدولي، لكنها تضعها كذلك أمام اختبار أساسي: كيف تحافظ على هذا الموقع المتقدم من دون أن تفقد هامش استقلالها أو تتحول إلى مجرد أداة في إعادة التموضع الفرنسي؟

 

فالرهان الحقيقي ليس في الحفاوة الدبلوماسية وحدها، بل في قدرة موريتانيا على استثمار هذا الاهتمام المتزايد لتحويله إلى مكاسب سياسية وأمنية واقتصادية مستدامة. وإذا نجحت في ذلك، فإن زيارة باريس قد تُقرأ لاحقًا بوصفها لحظة رمزية في انتقال موريتانيا من موقع الشريك الهادئ إلى موقع الفاعل الإقليمي المرجعي.

 

أقلام

جمعة, 17/04/2026 - 13:50