حرب الخليج.. لماذا وكيف ومن...؟

استأثرت الانتخابات الرئاسية الامريكية الاخيرة بحوالي 5.5 مليار دولار من اجمالي التكلفة الاجمالية لمجمل الانتخابات التي شهدتها الولايات المتحدة عام 2024 بما فيها التشريعية (الكونجرس بغرفتيه الشيوخ والنواب) والتي بلغت وفقاً لموقع لجنة الانتخابات الفيدرالية أكثر من 15.5 مليار دولار لتكون اغلى انتخابات تكلفة في التاريخ.

مرشحة الحزب الديمقراطي كامالا هاريس تلقت نحو 2.5 مليار دولار من هذه التكاليف., في حين ان دونالد ترامب الذي فاز في تلك الانتخابات تلقى حوالي 3 مليار دولار من هذه التكاليف حسب المصدر السابق.

حوالي مليار دولار من هذا الدعم المالي الهائل لترامب جاء من شخصيات من يهودية ابرزها مريام اديلسون التي تبرعت بمبلغ 250 مليون دولار كما قال ترامب بنفسه خلال احتفال نظمه في البيت الابيض في ديسمبر الماضي بمناسبة عيد الانوار اليهودي (الحانوكاه), وهناك غيرها ايضاً شخصيات يهودية تبرعت بأموال هائلة لترامب منهم على سبيل المثال لا الحصر, بول سنغر مؤسسة مجموعة (Elliot Management) في مدينة وست بالم بيتش بولاية فلوريدا, وبول اكمون من نيويورك, جان كوم نؤسس واتساب, سيث كلارمان مؤسس (Baupost Group) في مدينة بوسطن بولاية مساشوستس, ليونارد بلافانتيك مؤسس مجموعة (Access Industries) في مدينة نيويورك وغيرهم من الشخصيات بالاضافة الى منظمات الضغط (اللوبيات) الداعمة بقوة لاسرائيل مثل ايباك والائتلاف الجمهوري اليهودي وغيرهم.

اليهود وعلاقتهم بالمال ازلية, وفي حكم المستحيل ان يمنحوا كل هذه المبالغ من أجل سواد عينيه ولزاماً عليه ان يقدم لهم مقابل ما دفعوه له, ترامب يعرف ذلك جيداً فهو تاجر ويعمل معهم وخصوصاً في قطاع العقارات وفي وسطهم عليه ولا يستطيع الاستغناء عنهم ومن أشهرهم لاري سيلفرستين مالك برج التجارة العالمي الذي يعتبر اشهر مبنى في منهاتن أرقى مناطق نيويورك, ستيفن روس (مطور مشروع هديسون ياردز الذي يعد اكبر مشروع خاص في تاريخ الولايات المتحدة, منهاتن, نيويورك), جيف غرين (بالم بيتش, فلوريدا), آبي روزن (نيويورك), ريتشارد ليفراك (نيويورك, نيوجيرسي), مايكل شفو (نيويورك, شيكاغو, ميامي, لوس انجلوس, سان فرانسيسكو), تشارلز كوشنر (نيويورك), ستيف ويتكوف, جوزيف شتريت (نيويورك), دونالد ستيرلنغ (لوس انجلوس), ميكي نفتالي (نيويورك), جوزيف موينيان (نيويورك وميامي) وغيرهم, ومنهم من تربطه بالرئيس ترامب علاقات قوية ومميزة مثل ويتكوف صديقه المقرب, وكوشنر والد زوج ابنته, وجيف غرين جاره في منتجع مارلاغو في فلوريدا. 

يحرص ترامب على تقديم ما يطلبوا منه هؤلاء بلا تردد حتى لو تعارض مع مصلحة الشعب الامريكي (وهو في الغالب كذلك), لأنه يدرك انه اذا لم يفعل ذلك فسيخسرهم, وهذا ما لا يريده لأن منصب الرئاسة غير دائم وبعدها سيعود للاهتمام بمشاريعه الخاصة في سوق العقار الذي يسيطر عليه هؤلاء اليهود بقوة.

اضف الى ذلك قطاع الاعلام الامريكي الذي يسيطر عليه اليهود, ومعروف ان هذا القطاع الذي هو الاكثر انتشاراً وتأثيرأ داخل الولايات المتحدة وخارجها وله دور حاسم في تلميع اي مرشح والترويج له وتسويقه انتخابياً او مهاجمته وشيطنته ومن ثم اسقاطه, وترامب يعرف ذلك جيداً, فمثلاُ (ديفيد اليسون - ابن مؤسس اوراكل لاري اليسون - يملك شبكة سي ان ان, سي بي اس, ام تي في, تطبيق توك-توك-امريكا), (روبرت مردوخ وابنه يملك فوكس نيوز, وول ستريت جورنال, الصن والتايمز), (روبرت آيغر, اي بي سي نيوز), (براين روبرتس, ان بي سي), (ارثر اوكس سولزبيرغر, نيويورك تايمز), (مايكل بلومبيرغ, وكالة بلومبيرغ), (مورتيمر زوكرمان, يو اس نيوز, وورلد ريبورت), (مارك لازاروس, ام اس ام بي سي والتي تغير اسمها الى ام اس ناو) وغيرهم, ومن بين هؤلاء من تربطه علاقة مميزة بالرئيس ترماب مثل لاري اليسون وابنه ديفيد, وهذا تربطه علاقة متينة بنتنياهو شأنه شأن جل ان لم يكن كل هؤلاء.

رئيس ايباك الحالي (مايكل توشين), الرئيس المنتخب (برني كامينيتسكي), رئيس مجلس الادارة (بيتسي بيرنز كورن), الرئيس التنفيذي (اليوت برانت, مايكل زوكربيرغ (المؤسس والمالك الرئيسي لشركة ميتا التي تملك تطبيق واتساب ومنصتي فيسبوك وانستيغرام, لز ويكسنر (مالك فيكتوريا سيكريت), لاري فينك رئيس بلاك روك اكبر شركة لادارة الاصول في العالم بحجم 12.5 تريليون دولار, رونالد لودر رئيس المؤتمر اليهودي العالمي ووريث إمبراطورية مستحضرات التجميل العملاقة إستي لودر.

 

هؤلاء بعض المحيطين بالرئيس ترامب وقطعاً لهم اثر كبير على طريقة تفكيره وتوجيه سياساته وقراراته وخصوصاً المتعلقة باسرائيل, وهم منالشخصيات التي يتشكل منها اللوبي اليهودي في واشنطن, وهؤلاء يقدمون الدعم المالي و الاعلامي للرئيس. وطبعاً عليه تقديم المقابل كما سبقت الاشارة.

من جهته, الحزب الجمهوري الذي ينتمي اليه الرئيس ترامب يضغط عليه لعدم اغضاب الشخصيات اليهودية التي تبرعت لانتخابات الحزب التشريعية بأكثر من 6 مليار دولار في الانتخابات الاخيرة عام 2024, خوفاً من خسارة تلك التبرعات وخصوصاً ان الحزب بصدد الاستعداد للانتخابات النصفية المقررة في نوفمبر القادم, وهو يواجه نتائج استطلاعات رأي سلبية تشير الى ان تدني شعبيته الى مستويات مقلقة على اثر سياسات الرئيس الجمهوري الخرقاء والغير مستقرة وعدم ايفائه بأي من وعوده الانتخابية وابرزها خفض الاسعار(العكس ما هو حاصل الان), خلق المزيد من الوظائف الجديدة والقضاء على البطالة وما حصل هو ارتفاع نسبة البطالة الى نسبة هي الاكبر منذ 7 سنوات, وحتى أبرزوعوده جعل امريكا عظيمة مرة اخرى, وما حصل ان امريكا في عهدترامب غير الميمون باتت في اضعف حالاتها منذ انهيار الاتحاد السوفيتي نهاية التسعينات, فقد نفر حلفاءها بل حولهم لمنافسين ان لم يكن خصوم, كندا الجار الاقرب والحليف الاكثر موثوقية اوضح مثال على ذلك. 

كندا جار الولايات المتحدة الشمالي الاقرب تاريخياً والتي كانت تربطها بها علاقات شبه تكاملية بها, نأت بنفسها عنها, وادارت وجهها شرقاً تقززا من بلطجة ترامب, فقام رئيس وزرائها مارك كارني بزيارة تاريخية الى الصين منتصف يناير الماضي وأبرم عدة اتفاقايات مع الزعيم الصيني تشي جين بينغ منها شراكة استراتيجية بين البلدين في مجالات التجارة, المالية, السلامة العامة, الروابط بين الشعوب والاستثمار في مجال الطاقة النظيفة والزراعة وتصنيع السيارات الكهربائية, النفط, اليورانيوم, والتعاون في مجال السياحة, مكافحة الجريمة, المبانيالمعاصرة وغير ذلك.

هذا وألقى رئيس وزراء كندا مارك كارني خطاباً نارياً لقي تصفيقاً حاراً في المؤتمر الوطني للحزب الليبرالي في مونتريال نشرته مجلة نيوزويك السبت 12 ابريل الجاري أعلن فيه عن سياسة "Buy Canadian"(اشترِ المنتج الكندي) الجديدة، وركز على تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة في مشتريات الدفاع والأسلحة, وقال في هذا الصدد "لقد ولت الايام التي كنا ندفع فيها 70 سنتا من كل دولار للولايات المتحدة….سندعم الصناعة الوطنية وسنشتري المنتج الكندي, وسنبني كندا قوية بالصلب والألومنيوم والأخشاب والعمالة الكندية" وهذه بادرة غير مسبوقة في تاريخ العلاقة بين البلدين الجارين لها ما بعدها.
تجدر الاشارة الى ان 70% من ميزانية الدفاع الكندية التي بلغت العام 2025-2026 أكثر من 63 مليار دولار كندي (تقريباً حوالي 46 مليار دولار امريكي) يتم انفاقها على مشتريات عسكرية أمريكية حسب موقع حكومة كندا.

وكذلك الحال مع دول وسط وجنوب القارة الامريكية مثلاً لا حصراً: البرازيل, تشيلي, الارجنتين, المكسيك تعتبر الحديقة الخلفية للولايات المتحدة صارت الى نفس النهج واتجهت نحو الصين, بفضل بركات عبقري العصر والزمان.

اما اوروبياً, فحدث ولا حرج, أهم حلفاء امريكا الاوروبيين (اعضاء حلف الناتو) تخلوا عنه, فقد زار الصين خلال الاشهر القليلة الماضية كلا من رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر وكذلك الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون, والمستشار الالماني فريدريك ميريز, رئيس الوزراء الفنلندي بيتيري أوربوورئيسة الوزراء الايطالية جورجيا ميلوني وغيرهم, وكلهم ابرموا اتفاقات تجارية واستثمارية مع بكين كان في السابق يتم ابرامها مع واشنطن, ولكنها بركات عبقرية ترامب.

هذا, وهؤلاء كلهم رفضوا نداءات ترامب واعضاء ادارته المتكررة بالمشاركة في الحرب ضد ايران وقالوا له بصوت واحد تقريباً هذه حرب انت اخترتها ودخلتها بدون استشارة احد وعليك تخليص نفسك منها بنفسك وتحمل نتائجها وحدك, فحلف الناتو حلف دفاعي وليس حلف هجومي, بمعنى ان اعضاءه ملزمون بالدفاع عن اي عضو فيه اذا تعرض لاعتداء خارجي فقط ولكن ليس اذا كان هو من بادر بالهجوم على الاخرين.  

كذلك كان من أهم وعود ترامب الانتخابية نشر السلام وانهاء جميع الحروب, ولكن ما حصل انه زادت حدة الحرب الروسية الاوكرانية, وبلغ الاجرام في الحرب الصهيونية على قطاع غزة في عهده غير الزاهر مستوى لم تشهده البشرية في التاريخ المعاصر, غزو فنزويلا وخطف رئيسها المنتخب, التهديد بغزو كوبا والمكسيك وكندا وغرينلاند, واخيراً اشعال فتيل اكبر حرب تشهدها منطقة الشرق الاوسط منذ عقود, وزعزعة استقرار دولها وتقويض الامن فيها بشكل غير مسبوق, نشر الفوضى في العالم بتعريفاته الجمركية العشوائية والمرتجلة, استمرت نحو 40 يوم خسر فيها الجيش الامريكي معظم قواعده العسكرية في المنطقة, العديد من طائراته, اصابة حاملات طائراته وسفنه الحربية, العديد من ضباطه وجنوده, تخلي عنه اهم حلفائه في الناتو, خسارة حوالي 80 مليار دولار تكاليف الحرب المباشرة, خسائر غير مباشرة (اقتصادية وفي اسواق المال) بتريليونات الدولارات, انحدار سمعة الاسلحة الامريكية وخصوصاً الطائرات الشبحية ومنظومات الدفاع الجوية وغيرها.

اضف الى ما سبق ملفات جيفري ابستين التي ورد فيها اسم دونالد ترامب اكثر من 1000 مرة, ووفقاً لمصادر مطلعة فإن ترامب واقع تحت ضغط هائل بفعل تلك الملفات بهدف ابتزازه من قبل اجهزة استخبارات اجنبية يرى معظم المختصين انها اسرائيلية لدفعه لاتخاذ قرارات قد تكون لا تخدم المصالح الامريكية بل قد تضر بها جداً بما في ذلك جره مرغماً الى حرب غير مبررة وغير مفهومة ضد ايران, راح ضحيتها العديد من الشباب الامريكان, ناهيك عن تكلفتها المالية والاقتصادية الهائلة ونتائجها العسكرية والسياسية والاخلاقية العميقة. 

وفقاً لبعض المصادر المتابعة لهذه الملفات انها تحتوي على ادلة مسجلة بالصوت والصورة لترامب في اوضاع شاذة وغير اخلاقية فحسب, بل قد تدينه قضائياً بجرائم قد تصل عقوبتها للسجن مدى الحياة, وهذا بالضبط ما يخضع ترامب واخشى ما يخشاه, ومستعد لعمل اي شيئ لكي لا تصل هذه التسجيلات للمحاكم.

من الملفت ان تلك الملفات المرعبة أطاحت بشخصيات وازنة في دول خارج الولايات المتحدة, على سبيل المثال, بريطانيا, سلوفانيا, فرنسا والنرويج وغيره, لكن لم نسمع أنها اطاحت بأي شخص داخل امريكا حتى الان رغم انها جرت على الاراضي الامريكية وومعظم واهم ابطالها شخصيات امريكية....!!!!!

هذا من ناحية ومن ناحية اخرى, الاعلامي اليهودي مارك ليفين صرح علناً امام الجمهور وبحصور وسائل الاعلام في البيت الابيض اثناء حفل عيد الانوار اليهودي في ديسمبر الماضي موجهاً كلامه للحاضرين ومعظمهم من اليهود محتضناً ترامب وواضعاً ذراعه الايمن حول كنفه قائلاً: " "قبل ست سنوات، قلت هنا هذا أول رئيس يهودي لنا'. " ليرد ترامب: "هذا صحيح" ويستأنف ايفين كلامه قائلاً: "الآن هو أول رئيس يهودي يخدم فترتين غير متتاليتين", ويرد ترامب مباشرة: "هذا صحيح", اضف الى ذلك ان عدد من أحفاده يهود وابنته يهودية وزوجها يهوديكوشنر التي تربطه علاقات صداقة عائلية قديمة وثيقة جداً مع نتنياهو.

مما ىسبق يتضح خطورة شبكة العلاقات اليهودية المخيفة التي تحكم قبضتها على تلابيب دونالد ترامب (مالياً, اعلامياً, تجارياً, جنائياً, اخلاقياً, عائلياً, شخصياً...الخ), ويتضح حجم القوة التي يملكها نتنياهو للتأثير على قرار الرئيس ترامب وهذا ما يفسر اهم الاسباب التي دفعت ترامب لشن الحرب على ايران, نعم, كان ذلك نزولاً عند رغبة نتنياهو الذي حاول ذلك مع الرؤساء الامريكيين الذين عاصرهم (كلينتون, بوش اوباما, بايدن) ولم ينجح كما اشار الى ذلك كلا من وزيري الخارجية الامريكيين السابقين جون كيري, وانتوني بلينكن.

ترامب هو الذي بادر باشعال الحرب, وهو الذي استمات في ايقافها لسببين, الاول هو الخسائر الكبيرة التي تكبدها الجانب الامريكي عسكرياً واستراتيجياً واقتصاديا, والثاني الخسائر الفادحة التي لحقت بالكيان الصهيوني على الصعيد العسكري والاقتصادي (نحو 45 مليار دولار خسائر عسكرية مباشرة), مما حدا بنتنياهو بالايعاز الى ترامب للبحث عن مخرج لايقاف الحرب, فكان ذلك.

ما نتج عن الحرب على ايران من تداعيات ضخمة اقتصادية وسياسة وعسكرية وغيرها كانت هي وراء تدهور شعبية الرئيس وحزبه الجمهوري الى مستويات متدنية غير مسبوقة, مما يشكل تحدياً كبيرا امام الحزبفي انتخابات نوفمبر القادم وخطراً حقيقياً على اغلبيته في غرفتي الكونجرس (النواب والشيوخ) بحسب مؤشرات الرأي العام, ما يحعل الحزب في حاجة اموال اكثر للدعاية والعلاقات العامة لتحسين صورته امام الناخبين, وهنا يأتي دور واهمية اموال اللوبي اليهودي.

اخر الكلام:

نعم هذا هو التحدي الاكبر الذي تواجهه اللعبة السياسية في الولايات المتحدة, نفوذ (اللوبيات) جماعات الضغط والمال السياسي هو المفسد الاكبر للعملية السياسية الامريكية برمتها.

صانع القرار في البيت الابيض او في الكونجرس بغرفتيه الشيوخ والنواب لا يمكنه تجاهل مآرب من دعمه مالياً واعلامياً للوصول الى منصبه عند صنع السياسات واتخاذ القرارات.

المتبرعون اليهود ليسوا جمعيات خيرية, بل تجار ماهرون, يشترون نفوذاً وتنازلات ووعود سياسية بأمولهم, وبكلمات اخرى هم في الحقيقة يرشون السياسيين الامريكيين مقابل قرارات ومواقف سياسات وغالباً على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه المغتصبة.

نعم رشوة ولكنها رشوة يقرها القانون للاسف ويسموها تبرعات انتخابية.

 

د. سمير الددا

[email protected]

 

اثنين, 13/04/2026 - 08:32