
يتجدد في موريتانيا، مع كل أزمة طاقة أو ارتفاع في أسعار الوقود، النقاش حول جدوى البحث عن بدائل أكثر استقرارًا وأقل كلفة من السوق الدولية. وفي هذا السياق، يبرز خيار استيراد المحروقات من الجزائر بوصفه احتمالًا مغريًا من الناحية السياسية والجغرافية، خاصة أن الجزائر بلد منتج ومصدر للطاقة، ويرتبط مع موريتانيا بمسار متصاعد من التعاون الثنائي.
ومن حيث المبدأ، يبدو هذا الخيار منطقيًا. فالتزود من بلد جار قد يمنح موريتانيا هامشًا أكبر من الأمان في الإمدادات، ويخفف نسبيًا من آثار الاضطرابات الدولية التي تنعكس مباشرة على بلد يعتمد أساسًا على الاستيراد. كما أن التوريد من الجزائر قد يندرج ضمن شراكة أوسع تتجاوز مجرد شراء الوقود، لتشمل التعاون في التخزين والنقل والتوزيع والخبرة الفنية.
لكن هذا الطرح، رغم وجاهته النظرية، يصطدم بإكراهات عملية لا يمكن تجاهلها. فأزمة موريتانيا في هذا الملف لا تتعلق فقط بمصدر الوقود، بل أيضًا بقدرتها على تخزينه وتأمين تدفقه المنتظم. فالبلاد تعاني أصلًا من نقص في خزانات الوقود، وهو ما يجعل السوق المحلية أكثر حساسية لأي تأخر في الشحن أو اضطراب في التوريد. وفي ظل هذا النقص، تعتمد موريتانيا، بشكل غير مباشر، على ما يشبه “التخزين العائم” أو على مخزون قريب يحتفظ به المورد خارج البلاد.
وهنا تحديدًا تظهر أفضلية المتعاملين الدوليين من قبيل “أداكس”. فهذه الشركة لا تقتصر ميزتها على شراء الوقود من السوق الدولية، بل تستفيد أيضًا من بنية لوجستية جاهزة، تشمل مستودعات قريبة، خصوصًا في لاس بالماس بإسبانيا، بما يسمح لها بتزويد موريتانيا بسرعة ومرونة أكبر. وهذا يعني أن قوتها ليست فقط في التجارة، بل أيضًا في الجاهزية التشغيلية والقدرة على التدخل السريع عند الحاجة.
من هذه الزاوية، لا يبدو النقاش بين “الجزائر” و”أداكس” نقاشًا بين خيار إقليمي قريب وآخر أجنبي بعيد بقدر ما هو مقارنة بين نموذجين مختلفين: نموذج سياسي واستراتيجي واعد، لكنه ما يزال بحاجة إلى بنية تنفيذية متكاملة، ونموذج قائم فعليًا، يستفيد من خبرة لوجستية ومخزون قريب وقدرة على التموين السريع.
كما أن القرب الجغرافي من الجزائر لا يعني تلقائيًا أن الكلفة ستكون أقل. فالسعر النهائي للمحروقات لا يتوقف فقط على بلد المنشأ، بل يتأثر أيضًا بالنقل، والتخزين، والتمويل، وسرعة التسليم، وكفاءة سلسلة الإمداد. لذلك قد لا يكون الخيار الجزائري أقل كلفة أو أكثر فعالية إلا إذا ارتبط باتفاقات واضحة، وبنية تخزين مناسبة، وترتيبات لوجستية تضمن انتظام التوريد.
إلى جانب ذلك، فإن التعويل الكامل على مصدر واحد لا يخلو من مخاطر. فالأمن الطاقوي لا يقوم عادة على استبدال تبعية بأخرى، بل على تنويع مصادر الإمداد وتقليص الهشاشة من أكثر من جهة. ولهذا، يبدو الخيار الأكثر واقعية بالنسبة لموريتانيا هو الجمع بين المسارين، لا المفاضلة الحادة بينهما.
بمعنى آخر، قد يكون التوريد من الجزائر خيارًا استراتيجيًا مهمًا، لكنه في المرحلة الحالية يبدو أقرب إلى أن يكون مكملًا لمسار التوريد القائم، لا بديلًا جاهزًا له. أما التحول الحقيقي، فلن يتحقق بمجرد تغيير المورد، بل عبر معالجة الحلقة الأضعف في المنظومة كلها: قدرات التخزين داخل موريتانيا.
الخلاصة أن السؤال ليس ما إذا كانت موريتانيا ينبغي أن تستورد من الجزائر أو من السوق الدولية، بل كيف تبني منظومة تموين أكثر أمانًا ومرونة. وحتى يتحقق ذلك، ستظل أفضلية “أداكس” قائمة من زاوية السرعة والجاهزية اللوجستية، في حين سيظل الخيار الجزائري واعدًا، لكن نجاحه سيبقى مشروطًا بتطوير التخزين، وتقوية البنية التحتية، وتحويل التقارب السياسي إلى قدرة تشغيلية.



.jpeg)

.jpeg)