معاوية ولد الطايع: الكاريزما التي لا تنكسر

قبل الخوض في التفاصيل، واحترامًا لذاكرة أمة، لا بد أن أتقدم بخالص العزاء إلى الرئيس السابق معاوية ولد أحمد الطايع، وإلى أسرته الكريمة، سائلًا الله أن يتغمد الفقيدة بواسع رحمته.

 

لا يمر الحديث عن الرئيس السابق معاوية ولد الطايع دون أن يحمل معه تاريخًا مهمًا في موريتانيا المعاصرة. وقد تباينت فيه مواقف القوم بحسب مصالحهم وتطلعاتهم السياسية، لكن ما أسميه بـ”ظاهرتي القومية العربية والإسلام السياسي” شكلتا النقطتين الأكثر إثارة للجدل خلال الفترة الطايعية. ويعود ذلك إلى أسباب عديدة، فقد حمّل القوميون والإسلاميون معاوية مسؤولية كل الأضرار التي لحقت بهذه المجموعات خلال تسعينيات القرن الماضي.

 

ووفقًا لرواياتهم التي شكلت مرتكزات الخطاب الإعلامي في تلك الفترة، فإن ذلك يعود، من جهة، إلى قسوته في ملف 1987 مع “الزنوج”، ومن جهة أخرى إلى حزمه المفرط مع الحركات الإسلامية. لكن المؤرخ المنصف لا يقرأ الأحداث بعين الانتقام، بل يغوص في سياقاتها السياسية ليلمس الحقيقة بعيدًا عن الضجيج الذي غالبًا ما يستهدف الرأي العام بأساليب الضحية.

 

كان معاوية، بإجماع المقربين منه، حريصًا على أن يتعايش الجميع تحت سقف واحد، فلم يتبنَّ في مرحلة حكمه الأولى تلك القطيعة الماثلة بين مكونات المجتمع. وهذا ما يظهر في تعييناته للزنوج في مناصب أمنية حساسة، مثل وزارة الداخلية (العقيد آن مامادو بابا لي)، وإدارة الأمن (جوب جبريل آمادو). لذلك، لم تكن قراراته الصارمة يومًا نابعة من حقد دفين، بل كانت ردود فعل أمنية لحظية تجاه من حاولوا اغتياله أو قلب نظامه. وسنكون غير منصفين إن طلبنا منه منحهم أوسمة أو امتيازات على تصرفات تهدد استمرارية نظام حكمه في الصميم. ومع ذلك، وفي لفتة نادرة، أصدر عفوًا شاملًا عن جميع من تآمروا عليه. لكن العداوات الناجمة عن الفعل وردة الفعل ولّدت كراهية أصبحت تبحث دائمًا عن مبرر لاستمراريتها.

 

لم تكن معاناة معاوية مع العزلة الدولية أقل قسوة من صراعه المزمن مع هذين التيارين. ففي أعقاب أزمة 1989، وبعد موقفه المؤيد للغزو العراقي للكويت، واجهت موريتانيا حصارًا خانقًا، أجبر ولد الطايع على أن يسلك طريقًا وعرًا أملته الضرورة، لكن ثمنه السياسي كان كبيرًا.

 

فخروجه من أزمة بهذه الصعوبة، وتطلّب ذلك الدخول عبر بوابة أمريكا حيث تتحكم إسرائيل في كل شيء، لم يكن القرار استفزازًا للمشاعر العربية وقتها أو للرأي العام المحلي، بقدر ما كان استجابة لصراخ مواطن يهدده الجوع. فكان الاصطدام حتميًا بين منطق الدولة الذي يمليه واقع بعينه، وبين عواطف الذاكرة الجياشة، لذلك كان الثمن غاليًا.

 

بيد أن معاوية نجح في إنقاذ موريتانيا من الهاوية، لكنه، في نظر خصومه، دفعها نحو متاهة سُوّق لها داخليًا على أنها خيانة عظمى، فزادت حدة التوتر التي أنهت حكمًا استمر عقدين.

 

وعلى الرغم من كل الأوصاف التي وُصف بها الرجل في أدبيات معارضيه، إلا أنه، وبحسب قراراته في ملفات حساسة، ظهر بوضوح حرصه على بقاء هذا المجتمع متماسكًا بغض النظر عن حجم أخطاء البعض. وهذا ما اتضح في قراراته بالعفو الشامل، سواء في حق من حاولوا الانقلاب عليه من الزنوج، أو بعض الحركات التي شجعت على ذلك قولًا وفعلًا في ظروف بالغة التعقيد.

 

اليوم، وبعد غياب دام أكثر من عقدين، يطل علينا فخامته في مشهد لم نألفه: جالسًا على كرسيه، متماسكًا كالجبال، في عزاء زوجته الثانية. لم تكن المناسبة مناسبة للسياسة، لكنها كشفت أن الكاريزما التي أبهرتنا في تسعينيات القرن الماضي لم تذبل. ذاك المظهر المهيب أيقظ حنين الأجيال التي عاصرت “الفترة الذهبية” في حكمه، وجعل حتى خصومه يتوقفون لحظة، ليس تعاطفًا، بل احترامًا لرجل لم تنكسر ه

أحد, 12/04/2026 - 12:20