حرب الخليج.. تراجع التفوق الامريكي وانبثاق معادلات اقليمية جديدة

الحرب التي اشعلتها الولايات المتحدة وربيبتها اسرائيل في الخليج لم تعد مجرد عملية عسكرية قصيرة ستغير نظام الملالي القائم في ايران وتنصب نظاماً اخراً موالي لهما كما كانت تأمل كلاً من واشنطن وتل ابيب, ولكنها بدلاً من ذلك تطورت الى آفاق اخرى أبعد بكثير, لتفاجئ الجميع منذرة بتحول استراتيجي يعيد تشكيل النظام الاقليمي القائم في الشرق الاوسط ولكن ليس كما يحلم الصهاينة, بل يبشر بإنبثاق قوى اقليمية رئيسية يحسب لها حساب انتزعت لنفسها مساحة نفوذ واسعة بما في ذلك السيطرة على احد اهم الممرات الاستراتيجية في العالم بكل ما يعنيه ذلك من وزن عالمي ومكانة دولية, وكرست نفسها كقوى عسكرية يسجل لها انها تصدت لاكبر قوة عسكرية في العالم ومعها واحدة من أكبر القوى العسكرية في المنطقة وكبدتهما خسائر مؤلمة بما في ذلك استهداف حاملات الطائرات, اسقاط عدد من الطائرات الاكثر تطوراً في العالم, وتدمير قواعد عسكرية استغرق بنائها عشرات السنين وبلغت تكلفتها تريليونات الدولارات وتدمير منظومات شبكات دفاع جوي هي الاكثر شهرة واعلى تكلفة في التاريخ.

هذا وكشفت هذه الحرب عن انهيار النموذج الأمني الامريكي في منطقة الخليج الذي قام لعقود على معادلة بسيطة: الدفع مقابل الحماية, هذا النموذج سقط عمليا مع أول اختبار فعلي، حيث ظهرت فشل المظلة الأمريكية وعجزها عن توفير الأمن، بل انقلبت الامور لتجد دول المنطقة نفسها مضطرة للدفاع عن هذه المظلة, وتصبح في قلب الخطر بسبب الوجود الامريكي وفي الوقت نفسه اختارت النأي بالنفس كون هذه الحرب ليس حربها ولا خيارها بل ضد مصالحها, فكان قرارها عدم الانجرار اليها مهما كان الثمن, رغم استماتة الولايات المتحدة واسرائيل لدفعها للدخول في الحرب, وهو قرار استراتيجي حكيم يحسب لقادة دول الخليج.

.تطورات الحرب الخطيرة القت بظلالها على شكل فريق دونالد ترامب, يبدو ان ترامب الذي كان يريد ان يغير النظام الايراني وفشل في ذلك, فاستسهل تغيير النظام الامريكي, نعم, كان ملفتاً حجم التغيرات التي أحدثها ترامب في الادارة الامريكية خلال تلك الحرب, نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر, 

• استقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب جوزيف كينت

• اقالة الجنرال راندي جورج رئيس اركان الجيش الامريكي

• اقالة الجنرال ديفيد هودني قائد قيادة التحول والتدريب

• اقالة الجنرال ويليام غرين, قائد سلاح القساوسة

• اقالة وزيرة العدل

• اقالة وزيرة الامن الداخلي

• أفاد موقع اتلانتك يوم الخميس 2 ابريل الجاري نقلاً عن مصادر مطلعة في البيت الابيض هناك على مناقشات مكثفة تدور حول مغادرة كلا من:

o وزير الجيش دانيال دريسكول 

o مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي "إف.بي.آي" كاش باتيل

o وزيرة العمل لوري شافيز-ديريمر من إدارة الرئيس دونالد ترامب.

 

الذي يتبادر الى الاذهان ان تغيير قيادات عسكرية وامنية من الصف الاول خلال الحرب, يشير ببساطة الى ان مجريات هذه الحرب ليست على ما يرام.

 

كما تشير هذه التطورات والتغييرات في الادراة الامريكية الى ان الحرب التي تورطت بشنها على ايران ليست مجرد حرب تقليدية, ولكن كيفية سير هذه الحرب وتداعياتها وتحولها الى مستنقع وحرب استنزاف توحي بتصدع في المنظومة السياسية على اثر الضرر البالغ الذي لحق بالمنظومة العسكرية والاستراتيجية والمعنوية خصوصاً بعد الانباء التي تؤكد سقوط عدد من احدث واهم الطائرات المقاتلة او المروحيات والمسيرات وطائرات الانذار المبكر (اواكس) وطائرات التزود بالوقود جواً بالاضافة الى تدمير كافة القواعد العسكرية ومنظومات الدفاع الجوي كما سبقت الاشارة, وهذا لا يقوض نظرية التفوق الامريكي الجوي التام والسيطرة المطلقة على اجواء الخصم فقط, بل سيكون له اثره البالغ في سير المعارك من الان فصاعداً, ناهيك عن الضرر الكبير الذي لحق بسمعة السلاح الامريكي (طائرات ومنظومات دفاعية) وما سيكون له من اثر سلبي على الطلب على هذه الاسلحة مستقبلاً وحتى على عقود التسليح المبرمة مع العديد من دول العالم.

اسرائيلياً, فقد ادت هذه الحرب الى الحاق دمار واسع غير مسبوق في المدن الاسرائلية بعد ان تم كسر واحدة من اكثر نظريات الامن الاسرائيلة اهمية وهي الحرص على نقل المعارك والحروب خارج المدن والتجمعات الاسرائيلية لتضرب في مقتل هذه النظرية التي تعتبر واحدة من عوامل جذب المهاجرين الى فلسطين المحتلة, بل الان يحدث العكس, هجرة الكثير من هؤلاء الى خارج فلسطين المحتلة وهذا يعتبر كابوساً ديمغرافياً يقلق الزعماء الصهاينة, كما يكشف ذلك ايضاً عجز اسرائيل عن منع وصول الصواريخ والمسيرات الى اهدافها في العمق الاسرائيلي بما ينسف اسطورة التفوق العسكري وتحصين الداخل الاسرئيلي وان استهداف اي مكان في اسرائيل يمكن بسهولة وهذا ما قامت به حركة حماس في السابع من اكتوبر عام 2023 وقام به (وما زال) حزب الله والحوثيين العديد من المرات, وسيكون ذلك متاحاً لأي كان المستقبل رغم الدعم العسكري والامني والتقني الامريكي الهائل.

أما استراتيجياً، روسيا ترد الصاع صاعين لأمريكا التي حاربتها في أوكرانيا حتى آخر جندي أوكراني كما قال احد المعلقين ساخراً, لذا فهي تُغدق على إيران بكل أنواع الأسلحة والخبرات التي اكتسبتها في أوكرانيا مثل: دقة الإصابة، الإفلات من الدفاعات الجوية، اصطياد الطائرات الأمريكية الشبحية, اللمسات الروسية واضحة على التكتيك الإيراني البسيط والمدمر القائم على ضرب الرادارات وطائرات الإنذار المبكر (الأواكس) بمسيرات رخيصة التكلفة, والسلاح الغالي ليس دائماً الأفضل، وتجربة الحرب الأوكرانية أثبتت ذلك, النتيجة, الأمريكي أصبح «شبه أعمى» في الخليج، ويدفع ثمناً باهظاً كل يوم.

التوقيت يلعب لصالح إيران, فهي في أقوى حالاتها: تجهزت لهذه الحرب منذ اربعة عقود كما قال اكبر قادتها العسكريين, لها تحالف استراتيجي حديدي مع روسيا التي وقفت معها في أوكرانيا، ولها ايضاً علاقة استراتيجة عميقة مع الصين التي تراها بوابتها إلى المياه الدافئة والشرق الأوسط، ومصدراً لثلث احتياجاتها من الطاقة، وحجر الزاوية في أهم مشاريعها في العصر الحيدث «الحزام والطريق», في المقابل، إسرائيل معزولة دولياً، مدمرة اقتصادياً، منهكة عسكرياً وجيشها على وشك الانهيار (كما اصرح رئيس أركانها زامير قبل أيام)، ورئيس حكومتها مطلوب للمحاكم الدولية, أما أمريكا في عهد ترامب فقد أستعدت عليها حلفاءها قبل أعدائها, تعريفات جمركية، ابتزاز لدول الناتو «ادفعوا أو ارحلوا» والعرب ادفعوا مقابل حمايتكم، بلطجة في فنزويلا وكوبا وكندا والمكسيك وغرينلاند وغيرها, الجميع تقريباً ينفر منها… إلا إسرائيل التي تتلقى كل شيء مجاناً, ولكن بدأت اصوات امريكية عالية ومؤثرة ترى اسرائيل عبئاً مالياً وعسكرياً وسياسياً واخلاقيأً على الولايات المتحدة وتدعو الى وقف جميع المساعدات عنها واعادة النظر في العلاقات معها.

قاتل الله ملفات إبستين, اجبرت ترامب ليخضع لمن يملك الصور والفيديوهات التي قد تؤدي به إلى السجن مدى الحياة, وليس فقط لفقدان أهم منصب في العالم, لذا وفقاً لمصادر اعلامية وسياسية امريكية وعالميةها هو ينفذ إملاءات خارجية تخدم دولة أجنبية ولو على حساب المصالح الأمريكية، ويُجبر صاغراً على إشعال حرب مع إيران لم تكن أمريكا بحاجة إليها أصلاً بحسب المصادر نفسها.

تجدر الاشارة الى ان دول الخليج كلها طالبت ترامب بعدم الدخول في هذه الحرب, رفض, ولكنه خضع لنتنياهو, ثم خرجت المتحدثة باسم البيت الأبيض بوقاحة غير مسبوقة تطالب دول الخليج بدفع تكاليف حرب فرضها نتنياهو! الجواب يجب أن يكون واضحاً: لا تدفعوا دولاراً واحداً. بل يجب على كل دول المنطقة طلب تعويضات من الولايات المتحدة واسرائيل اللذين بادراً بشن الحرب عن كل الخسائر التي سببتها تلك الحرب بسبب الوجود الأمريكي.

هذا وقي سياق اخر ولكن ذا صلة, الآن يواجه الأمريكيون «إيران المجنونة» بعد أن قتلوا الحكماء وعلى رأسهم المرشد الأعلى السابق علي خامنئي الذي كان يكبح جماح النووي بفتوى ملزمة شرعاً, إيران الجديدة لن توقف الحرب إلا بشروط صعبة, مثلاً: ضمانات دولية ملزمة بعدم الاعتداء عليها مستقبلاً، تعويضات هائلة عن الدمار التي لحق بها، إغلاق ملفات الحروب على حلفائها في لبنان وغزة والعراق واليمن, والأخطر: إيران أصبحت الآن تسيطر فعلياً على مضيق هرمز، الممر الذي يمر منه ما قسمته  حوالي 8 تريليون دولار سنوياً من التجارة العالمية, مضيق كان مفتوحاً ومجانياً قبل الحرب، والآن أصبح كل أهم هدف أمريكي-إسرائيلي هو إعادة فتحه..!!!

إسرائيل تعرف تماماً أن جيشها منهك ومهدد بالانهيار. لذلك تحاول بكل السبل جر دول الخليج إلى الحرب مع إيران: ضربها لأهداف خليجية (مصفاة سعودية، حقل غاز كويتي-إيراني، ميناء عماني وقاعدة تركية وغيرها…) ثم إلصاق التهمة بإيران. الهدف واضح, جر الجيوش العربية والإسلامية لاضعافها (مصر، تركيا، باكستان، السعودية) التي هي اليوم في كامل جهوزيتها، حتى لا تنقض على إسرائيل الضعيفة وتحرر فلسطين.

الآن حان الوقت ليرفع العرب الغشاوة عن أعينهم. لا استقلالية بدون كرامة. يجب أن يعملوا معاً للتخلص من تسلط الاستعمار الأمريكي-الغربي، وأن يتجنبوا الفتن المصطنعة التي يبثها العدو عبر حسابات مزيفة على وسائل التواصل. القادة العرب, والحمد لله, بدأوا يفطنون للفخ الصهيو-أمريكي, وباتوا يدركون ان ما هو حاصل في المنطقة هو خلل بنيوي عميق, دول تملك الموارد لكنها لا تملك أدوات الحماية، وتعتمد على قوة خارجية لا تضمن أمنها بقدر ما تدير مصالحها, وباتوا يدركون اكثر من اي وقت مضى ان مصلحتهم العليا في العمل على تأسيس منظومة عسكرية دفاعية مشتركة هدفها حماية اصحابها وقرارها بيد اهلها.

امريكا كشفت عن حقيقتها وعن وزنها الفعلي, حتى أوروبا بدأت تنفض يدها, إيطاليا انضمت إلى إسبانيا ومنعت الأمريكيين من استخدام أراضيها في العدوان على إيران, فرنسا تمنع مرور الطائرات التي تحمل إمدادات عسكرية لإسرائيل. بريطانيا رفضت طلباً أمريكياً باستخدام قواعدها لضرب إيران. وهكذا العالم الحر يسعى لمصالحه, وعلى دول المنطقة فعل الشي نفسه.

 

اخر الكلام:

في ذروة انشغال العالم بهذه الحرب يتمكن اليمين الأشد تطرفاً في اسرائيل من ابتزاز حكومة نتنياهو التي هي حالياً في قمة ضعفها بسبب ادائها الكارثي في تلك الحرب وحاجتها الماسة لبقاء نواب الكنيست من هؤلاء المتطرفين داخل الحكومة لحمايتها من السقوط استطاعوا بكل مكر وخديعة من تمرير قانون في منتهى الخطورة, اقرار عقوبة الاعدام بحق الاسرى الفلسطينيين, وهذا لا يعني فقط نية حكومة تشريع قتلها لمواطني حكومة اخرى هم بمثابة اسرى حرب لديها بموجب القانون الدولي واتفاقيات جنيف ذات الصلة, بل ايضاً يعلن بكل وقاحة وبجاحة واجرام قيام حكومة قائمة بإحتلال اراضي شعب بقتل اسرى هذا الشعب الواقع تحت الاحتلال بسبب ممارستهم لحقهم الطبيعي والمشروع التي تكفله وتقره كل الاعراف والقوانين الدولية في مقاومة القوة القائمة بالاحتلال...!!!!, اي انه بموجب القانون الدولي (الذي يجرم هذا القانون الذي اقره الكنيست) يعتبر اي تنفيذ فعلي لهذا القانون هو جريمة قتل متعمدة مع سبق الاصرار تنتهك القانون الانساني الدولي, بما في ذلك حماية حياة الشعب الواقع تحت الاحتلال والحفاظ على سلامته كواجب ملزم يقع على عاتق الجهة القائمة بالاحتلال, واسرائيل هي القائمة بالاحتلال لاراضي الفلسطينية بموجب العديد من قرارات مجلس الامن والجمعية العامة التابعين للامم المتحدة.

 

د. سمير الددا

[email protected]

أحد, 05/04/2026 - 10:04