
لم يسبق أن بلغ غلاء الأسعار في موريتانيا مستواه الحالي؛ فقد تضاعفت الأسعار تقريبًا خلال السنوات العشر الأخيرة. فعلى سبيل المثال، كان الخروف يُباع بـ 4500 أوقية جديدة، بينما أصبح اليوم في حدود 9000 أوقية جديدة، كما ارتفع سعر علبة الحليب المركز من 10 أواقٍ جديدة إلى 20 أوقية جديدة. والأمر نفسه ينسحب على مختلف المواد الغذائية. فكيف يمكن تفسير هذا الوضع؟
إن الارتفاع المتواصل للأسعار يعود إلى الاختلالات في التحكم في الأسواق وفي قطاع المحروقات. فإذا كانت سونيمكس تؤدي سابقًا دورًا في تنظيم السوق بالنسبة للمواد الأساسية، بما يسمح للموظفين بتجاوز أعباء نهاية الشهر بشيء من السهولة، فإن هذه الشركة تمت تصفيتها تحت ضغط جشع الفاعلين الخواص.
أما بالنسبة للمحروقات، ففي الوقت الذي كانت فيه الدولة تتولى تموين البلاد، كانت موريتانيا قد اقتنت، عبر اتفاق مع الجزائر، مصفاة نفط بهدف الاستفادة من المحروقات بكلفة أقل، وخلق فرص عمل، وتراكم الخبرة في هذا المجال، والمساهمة في استقرار أسعار الوقود.
غير أن هذه الرؤية للتنمية المندمجة لم تعد، بعد خمسة وعشرين عامًا، ذات فائدة في نظر البعض، إلى درجة أن خبراء باتوا يرون أن هذه المصفاة ينبغي هدمها ورميها في البحر. وهكذا تحول تموين البلاد بالمحروقات إلى سوق خاص بالقطاع الخاص، وفق آليات تتحدى الأخلاق، وهو ما يفسر الارتفاع الصاروخي في أسعارها، وما يترتب عليه من ارتفاع في أسعار بقية السلع. ويضاف إلى ذلك نظام ضريبي يتوسع باستمرار.
ورغم هذا التصاعد الكبير في الأسعار، فإن النقاط الاستدلالية للأجور بقيت جامدة، ولم تُتخذ أي إجراءات ذات معنى للتخفيف من انعكاسات هذه الظاهرة على ظروف عيش العمال. وأمام غلاء المعيشة، بات من الضروري تحديد الحد الأدنى للأجور ومعاشات التقاعد عند 15000 أوقية جديدة، وإعادة النظر في السياسة الأجرية بما يلبي الحاجات الملحة للمواطنين الذين يتحملون ارتفاعًا مستمرًا في الضرائب، رغم الثروات الضخمة التي يفترض أن تضمن الإعفاء منها أو على الأقل التخفيف منها. والغريب أنه كلما اكتشفت موريتانيا كنوزًا جديدة، ازددنا نحن تعرضًا للضرائب.
ديون تتواصل في الارتفاع
في السنغال، تم تخفيض فواتير الماء والكهرباء منذ بداية استغلال الغاز؛ أما عندنا فلا يظهر أي أثر لذلك. والأسوأ أن بلدنا يواصل، كما في السابق، الاستدانة من كل الجهات: البنك الإفريقي للتنمية، البنك الإسلامي للتنمية، الصندوق السعودي، البنك الدولي…
وفي مثل هذا الوضع، يطرح السؤال نفسه: ما فائدة كل هذه الثروات إذا كانت الديون تواصل الارتفاع، وكذلك الضرائب، بينما تتراجع قيمة النقود إلى حد أننا أصبحنا نرى أطفالًا يجرّون مغناطيسًا في الشوارع بحثًا عن القطع النقدية، ونساءً ينخلن الرمال بحثًا عن حبات القمح المتساقطة من شاحنات نقل الحبوب؟
آمل أن تلامس هذه الرسالة القوية الحس الوطني لدى الجميع.
إن الإنجازات الميدانية لا يمكن أن تبرر هذا العبء كله من الديون. فأحدث إنجاز في العاصمة، وهو فندق شيراتون من فئة خمس نجوم، يبدو تبذيرًا في مدينة ملوثة وغارقة هذه الأيام في الظلام، نتيجة العدوان الصهيوني الدولي على إيران. ومن الغريب أن يُنهق الحمار فتتمزق عضلات ظهر الكلب!
فكيف يمكن تبرير جدوى هذا المشروع في وقت أغلقت فيه أغلب فنادقنا أبوابها بسبب غياب الزبائن؟ كان من الأجدى للبلد أن تُوجَّه هذه التمويلات إلى البنية التحتية للسكك الحديدية بين نواكشوط ونواذيبو، أو بين نواكشوط ونعمة، بدل إنفاقها على قصور فندقية من فئة خمس نجوم في مدينة أصبحت أقل جاذبية حتى للسياح القلائل الذين يأتون للاستمتاع بالصحراء لا لارتياد الفنادق.
لقد أصبحت كلفة المعيشة في مستوى لا يستطيع التكيف معه إلا أصحاب المال السهل، خصوصًا المال الناتج عن المخدرات أو عن تزوير العملة. وربما يفسر هذا أن بعض الأثرياء الجدد يشترون، من دون تفاوض على الأسعار، مجمعات منازل في وسط المدينة… فقط ليقوموا بهدمها لأن طرازها لا يعجبهم! إنه غسل أموال واضح جعل العقار بعيد المنال، خاصة وأن سعر المتر المربع في بعض أحياء نواكشوط أصبح أغلى من نظيره في أغلب عواصم العالم.
وقبل أشهر، تمكنت وحدة من الدرك الوطني من توقيف أشخاص متورطين في تهريب المخدرات. ومؤخرًا، ضبطت وحدة أخرى من هذا السلك مجموعة بحوزتها معدات متطورة لتزوير العملة ومبالغ مالية معتبرة.
لكنني لا أعرف ما الذي يجعل السلطات المختصة تفقد دائمًا أنفاسها قبل استكمال تحقيق جدي يفضي إلى الوصول إلى رؤوس هذه الشبكات المافيوية، وتقديمهم إلى العدالة، بما يسمح بتفكيك هذه الجرائم التي تدمر اقتصاد البلاد وأمنها. وحتى الآن، لم تُفتح أي محاكمات تكشف حقيقة هذه التنظيمات الخطيرة. وعلى كل حال، ما لم تصبح الحوكمة الشاملة قاعدة صارمة، فإن التدهور الأمني والاقتصادي سيستمر، مهما تعددت ثرواتنا الوطنية وتعاظمت.
محمد أحمد الشيخ
مهندس



.jpeg)

.jpeg)