
شهدت منطقة الساحل خلال الأيام الأخيرة من الشهر تطورات لافتة على مستوى القرار السياسي والأمني، في وقت تواصل فيه الفواعل المسلحة غير الحكومية توسيع نفوذها على الأرض وسط فتور متزايد في الاهتمام الدولي. ومع تزاحم الأزمات العالمية، خاصة في المشرق، يتراجع الحضور الإعلامي لصراعات القارة، بينما تتواصل المآسي داخل المجتمعات المحلية بصمت، في مشهد تختلط فيه الحروب المفتوحة بالتفكك البطيء داخل الأسر والبيئات الاجتماعية.
توتر سياسي متصاعد بين نواكشوط وباماكو
في موريتانيا، تصاعد التوتر مع مالي على خلفية اتهامات بوقوع عمليات قتل خارج القانون استهدفت مواطنين موريتانيين داخل الأراضي المالية. وفي 27 مارس، قال الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، خلال لقاء مع رؤساء وممثلي أحزاب سياسية، إن موريتانيا ستدافع بحزم عن مجالها الحيوي، لكنها في الوقت نفسه لن تنجر إلى ما وصفه بـ”الاستفزازات”.
وجاء هذا الموقف عقب سلسلة حوادث أسفرت، خلال أيام قليلة، عن مقتل سبعة موريتانيين. وذكّر الرئيس بتحذيرات سابقة وجهتها السلطات إلى المواطنين بعدم التواجد داخل الأراضي المالية، خصوصًا في مناطق القتال، معتبرًا أن أي مواجهة مباشرة بين البلدين لن تؤدي إلا إلى مزيد من التعقيد.
غير أن زيارة الغزواني إلى بروكسل حملت بدورها دلالات سياسية واضحة، إذ استقبله الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته في 25 مارس بمقر الحلف. وترتبط موريتانيا بإطار تعاون دفاعي مع الناتو منذ عام 1995 في إطار “الحوار المتوسطي”. وفي تعليق على الزيارة، اعتبرت قناة “ديبارتمينتي” المقربة من الكرملين على تلغرام أن هذا التقارب قد يشكل تهديدًا لمالي، متجاهلة في المقابل أن باماكو نفسها أعادت فتح قنوات تعاون مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وفي السياق ذاته، جددت وزارة الخارجية الموريتانية، في بيان رسمي، إدانتها لما وصفته بتكرار الأخطاء القاتلة المنسوبة إلى القوات المسلحة المالية على امتداد خط التماس غير الرسمي بين البلدين خلال السنوات الأربع الماضية، مطالبة بفتح تحقيقات جدية لتحديد المسؤوليات.
مالي: مقايضات غامضة وخطاب رسمي متناقض
في مالي، أقدمت السلطات على إطلاق سراح نحو مئتي مقاتل، بينهم قادة كتائب وخبراء متفجرات ومخبرون ومنظّرون، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة. وتحدثت تقارير عن وفاة بعض هؤلاء نتيجة المرض أو الإرهاق، سواء أثناء الاحتجاز أو خلال عمليات التبادل.
وفي المقابل، ترددت معلومات عن تعهد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بضمان أمن قوافل الوقود حتى 30 مايو، ما اعتبره مراقبون شكلًا من أشكال التفاوض غير المباشر مع جماعة تصنفها السلطة نفسها ضمن التنظيمات الإرهابية، رغم تمسك الخطاب الرسمي برفض أي حوار معها والإصرار على الخيار العسكري. وكان التنظيم قد نجح، في أكتوبر 2025، خلال مفاوضات الإفراج عن رهائن إماراتيين اختطفوا قرب باماكو، في انتزاع إطلاق سراح عشرات من عناصره على دفعتين سريتين، في ملف ما يزال مطوقًا بالكتمان.
وفي 28 مارس، تحدث الناطق باسم جبهة تحرير أزواد، محمد المولود رمضان، في مقابلة نشرت عبر منصة “ميتا”، عن احتمال اضطلاع الجزائر بوساطة للإفراج عن أسرى روس داخل مالي. غير أن الغموض ما يزال يلف عدد هؤلاء الأسرى ومواقع احتجازهم، سواء لدى جبهة تحرير أزواد أو لدى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
إيكواس تعود والنيجر تتجه إلى تسليح المجتمع
على المستوى الإقليمي، أعلنت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، في 28 مارس، تعيين رئيس الوزراء الغيني الأسبق لانسانا كوياتيه وسيطًا لدى مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وهي الدول التي تشكل تحالف “دول الساحل”. لكن طبيعة مهمته وحدود تفويضه ما تزال غير واضحة.
في المقابل، اتخذت النيجر خطوة مثيرة للجدل بإقرار مجلس الوزراء إنشاء تشكيلات دفاع ذاتي إقليمية تحت اسم “دومول ليدي” بلغة الفولفولدي، وتعني “حماة الوطن”. ومن المرتقب أن تضم هذه الوحدات مجندين محليين يعملون تحت إشراف الجيش، خصوصًا في محيط تيلابيري، إحدى أبرز بؤر النشاط الجهادي في غرب إفريقيا.
ويعيد هذا القرار إلى الواجهة منطق تسليح المجتمعات المحلية، وهو خيار سبق أن طُرح بقوة عقب تعبئة ما بعد انقلاب 26 يوليو 2023، حين استُخدمت تهديدات التدخل العسكري الإقليمي ذريعة لتعبئة المدنيين. غير أن هذا المسار يحمل مخاطره الخاصة، بالنظر إلى دور الفاعلين المحليين في تأجيج التوترات بين المجتمعات، وما تفرزه أعمال الانتقام من دوائر عنف تدفع مزيدًا من الشباب إلى الالتحاق بالجماعات المسلحة، سواء جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أو تنظيم الدولة الإسلامية.
الميدان العسكري: توسع الهجمات وتراجع الدولة
في مالي، أعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة، في 22 مارس 2026، تنفيذ ثلاث عمليات في الشمال، اثنتان منها منسقتان، شملت كمينًا قرب تاباكورو في منطقة سيكاسو، وضربة جوية قرب ديورا في منطقة سيغو، ثم عملية ثالثة في 26 مارس استهدفت هدفًا معاديًا شمال غرب ميناكا، وقالت السلطات إنها أسفرت عن مقتل عشرات المقاتلين وتدمير معداتهم.
لكن الملاحظ أن البيانات العسكرية المالية نادرًا ما تُرفق بأدلة بصرية أو توثيق ميداني، خلافًا لما دأبت عليه الجماعات المسلحة والانفصاليون، بل وحتى جيوش بوركينا فاسو والنيجر في دعايتها الحربية.
في المقابل، أعلنت جبهة تحرير أزواد في 24 مارس تنفيذ هجمات بطائرات مسيرة انتحارية وقاذفات صواريخ على مواقع للجيش المالي وعناصر “فيلق إفريقيا” في أغيلهوك بإقليم كيدال. ووفق رواية الجبهة، فقد أسفر هجوم آخر وقع في 20 مارس قرب قرية إيريباديه عن مقتل ثمانية جنود ماليين وإصابة آخرين، إضافة إلى تدمير مركبة عسكرية، في حين قتل عشرة مقاتلين روس.
أما جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، فقد اختارت بدورها توظيف الإعلام، عبر نشر إنفوغراف بمناسبة رمضان 2026، استعرضت فيه مؤشرات نشاطها، من عمليات إغاثة وكمائن وعبوات ناسفة وهجمات مدفعية، فضلًا عن الأسلحة والدراجات المصادرة والمساعدات المقدمة، في محاولة لترسيخ صورة التنظيم باعتباره قوة ميدانية واجتماعية في آن واحد.
بوركينا فاسو: تمدد سريع في الشمال
في بوركينا فاسو، واصلت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الترويج لسردية توسعها الميداني، معلنة السيطرة على عدة مواقع انتزعتها من الجيش ومن ميليشيات “متطوعي الدفاع عن الوطن”، في فيباوري وباني في إقليم سونو بمنطقة ليبتاكو، وفونسا في إقليم توي بمنطقة غويريكو، وليري في إقليم موهون بمنطقة بانكوي، وذلك خلال أقل من أسبوع بين 24 و27 مارس.
بقعة زيت تتسع
في المحصلة، تبدو القوة المشتركة لتحالف دول الساحل عاجزة عن وقف تمدد شبكات التجنيد المحلي التي تغذي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة الإسلامية، خاصة في المثلث الحدودي بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر. ويواصل مسرح العمليات اتساعه بمرونة لافتة، كأنه بقعة زيت تزحف تدريجيًا نحو ساحل خليج غينيا وشمال نيجيريا، في ظل غياب مؤشرات جدية على قرب احتوائه



.jpeg)

.jpeg)