
من بين الإجراءات التي أعلنتها الحكومة لمواجهة أزمة الطاقة التي تلوح في الأفق وما قد يترتب عليها حتمًا من تداعيات خطيرة، يبرز إجراء يستحق اهتمامًا خاصًا، وهو حظر حركة السيارات من منتصف الليل إلى الخامسة صباحًا.
إن اتخاذ قرار من هذا القبيل يكشف عن نزعة تتعزز أكثر فأكثر لفرض إجراءات قد تكون قاسية ومُقيِّدة لحقوق المواطنين وحرياتهم، من دون إيلاء اهتمام كافٍ لما قد ينجم عنها من آثار جانبية ومخاطر جسيمة على المجتمع، بل وعلى الدولة نفسها، وخصوصًا على صورتها. ويتعلق الأمر هنا بأسلوب في الحكم يتعارض مع الخطاب الرسمي الصادر عن أعلى السلطات، ولا سيما مع الأسلوب الذي يُفترض أنه يطبع التوجه الرئاسي.
فالذي يعكسه هذا القرار، في جوهره، لا يقتصر على مجرد تنظيم مشدد لحركة السير، بل يتجاوز ذلك إلى إقامة مفاجئة وغير مبررة لما يشبه “حالة طوارئ مرورية” حقيقية، من خلال فرض نظام غير مسبوق من القيود الليلية العامة على التنقل، بما يشبه حالات الطوارئ، ولكن من دون الضمانات القانونية التي ترافق عادة الأنظمة الاستثنائية الفعلية.
أليس من البديهي التذكير بأن القيود الواسعة على الحريات، في أي دولة قانون، لا تُفرض إلا ضمن أطر محددة بدقة، مثل حالة الطوارئ، أو الظروف الاستثنائية، أو الأخطار الجسيمة؟
غير أن أيا من هذه الأطر لم يُعلن عنه رسميًا هنا، باستثناء الإشارة إلى مخاوف مرتبطة بندرة الغاز والنفط، من دون الحديث عن نظام اقتصادي واضح، أو أهداف محددة، مثل الحفاظ على مستوى معين من الاحتياطي الاستراتيجي، أو ضبط الأسعار، أو تقليص حجم الدعم.
ومع ذلك، فإن كل مقومات وآثار الحالة الاستثنائية تبدو حاضرة هنا بوضوح، لأننا أمام: حظر عام يشمل كل المواطنين الذين يملكون وسائل نقل آلية؛
وقيد زمني متكرر يتكرر كل ليلة وبلا أجل محدد صراحة؛، وتقييد شامل يطال الجميع، في المدينة والريف، سواء كان لديهم سبب مشروع للتنقل أم لا، من حي إلى آخر أو من مدينة إلى أخرى.
ومن الناحية القانونية، فإن مكمن الإشكال يكمن تحديدًا هنا: فالإجراء يُنتج آثار نظام استثنائي من دون أن يتحمل متطلباته القانونية من حيث الأساس والإجراءات الشكلية.، ولا يكمن الخطر في الإجراء نفسه فحسب، حتى لو اتُّخذ في سياق ظرفي محدد، بل في ما يكرسه من منطق.
فعندما تتكرر القرارات العامة غير المبررة بما فيه الكفاية، فإن تقييد الحريات يكف عن الظهور باعتباره استثناءً، ويصبح أداة عادية من أدوات الإدارة العامة.
وليس بعيدًا عن الأذهان قرار منع تنقل الدراجات النارية الذي اتُّخذ بشكل مفاجئ، من دون مراعاة واضحة لما يخلّفه من آثار سلبية على المالكين وأسرهم. كما حدث الأمر نفسه مع إغلاق المطاعم الليلية التقليدية من دون أي مسار واضح أو تدرج أو مراعاة للعواقب. وهكذا دواليك.
غير أن الحرية، في أي جمهورية تدّعي الديمقراطية، هي الأصل لا الاستثناء، ولا يجوز تعليقها إلا بناء على مبررات دقيقة يمكن الطعن فيها أمام القضاء. وقد ظل القانون الإداري واضحًا في هذه النقطة: الراحة الإدارية أو الاعتبارات التدبيرية لا يمكن أن تبرر المساس بالحريات الأساسية.
صحيح أن هذا الإجراء يُقدَّم رسميًا باعتباره شكلًا من أشكال التكيف الاقتصادي غير المباشر، لكن حتى هذا التبرير يظل محل شك.
فما القيمة الجوهرية فعلًا لخمس ساعات من تقليص التنقل، من حيث حجم الطاقة التي يُفترض توفيرها؟
فالذي لا يستهلكه السائق ليلًا قد يستهلكه نهارًا، إذا كان تنقله ضروريًا بالنسبة إليه. وعليه، فإن شدة الاستهلاك الطاقوي تُنقل من وقت إلى آخر، لكنها لا تُلغى فعليًا. وبالتالي، فإن القرار لا يخلق موردًا جديدًا، ولا يحقق في حد ذاته اقتصادًا حقيقيًا في الاستهلاك.
في المقابل، هناك أمر مؤكد: هذا القرار يُربك قطاعات كاملة، مثل النقل والصيد والخدمات اللوجستية، فضلًا عن تعطيله لجزء من الحياة الاجتماعية، خصوصًا في بلد سوداني-ساحلي يشكّل الليل فيه مجالًا طبيعيًا لنشاط جزء معتبر من المجتمع، بفعل الحرارة المعروفة نهارًا.
والأخطر من ذلك أن الإجراء يحمل طابعًا تمييزيًا، لأنه يضر أساسًا بالفئات التي تعتمد على التنقل من أجل العيش، من دون أن يراعي قطاعات واسعة من الاقتصاد غير المصنف، التي يحرّكها سكان الأحياء الطرفية البعيدة، بينما تمارس أنشطتها الاقتصادية في وسط المدينة.
وقد يكشف هذا القرار عن نزعة أعمق، تتمثل في ضعف تقليدي داخل الإدارة في مجالي التوقع والتخطيط، وهو ما يدفع غالبًا إلى اعتماد أسلوب حكم يقوم على الإكراه، لأنه أسهل على المدى القصير من بناء استراتيجية فعالة على المدى الطويل.
وبطبيعة الحال، لا يتعلق الأمر هنا بإنكار التحديات الحقيقية أو التهديدات الجدية التي تواجه الدولة. بل على العكس، فكلما كانت التحديات أكثر خطورة، وجب أن تكون الردود أكثر صرامة وانضباطًا.
وهذا يقتضي:
- اعتماد إجراءات دقيقة الاستهداف، متناسبة مع الأهداف، ومبررة بوضوح، ومطبقة بشكل تدريجي، لا مفروضة بشكل فجائي؛
- حماية الأنشطة الاقتصادية الأساسية، ولا سيما تلك المرتبطة بالاقتصاد الاجتماعي الشعبي للفئات الوسطى والعمالية والريفية؛
- اعتماد سياسة عمومية مفهومة، ومتفهّمة، ومعلنة لجميع المواطنين بلغاتنا الوطنية كافة، بروح من الاحترام والشرح الواضح.
ولعل من دروس التاريخ الإنساني أن أي حكومة تفرض القيود من دون تبرير كافٍ تعرّض نفسها حتمًا لخسارتين معًا: خسارة شرعيتها القانونية والأخلاقية، وخسارة فعاليتها العملية والت



.jpeg)

.jpeg)