
لم يكن التعثر الذي طبع جلسات التحضير للحوار السياسي خلال الأسبوع الجاري مجرد عثرة تنظيمية عابرة، بل بدا منذ اللحظة الأولى مؤشرًا على حجم الحساسية التي تحيط بالملفات المطروحة، وعلى طبيعة التوازنات الهشة التي تحكم العلاقة بين الموالاة والمعارضة. فالحوار الذي كان يُفترض أن يشكل مدخلًا لترتيب أولويات الإصلاح السياسي، اصطدم مبكرًا بخلاف جوهري حول إدراج ملف المأموريات ضمن جدول الأعمال، وهو خلاف أعاد إلى الواجهة سؤال الثقة وحدود الممكن في هذا المسار قبل أن يبدأ فعليًا.
في الظاهر، يتعلق الأمر بتباين في وجهات النظر حول بند من البنود المقترحة. غير أن القراءة الأعمق لما جرى تكشف أن الخلاف يتجاوز الصياغة إلى ما هو أبعد منها: إنه خلاف على طبيعة الحوار نفسه، وعلى سقفه السياسي والدستوري، وعلى الجهة التي تملك حق رسم حدوده منذ البداية. فالمعارضة لا تنظر إلى مسألة إدراج ملف المأموريات بوصفها تفصيلًا تقنيًا يمكن التفاهم بشأنه لاحقًا، بل تعتبرها نقطة شديدة الحساسية قد تفتح الباب أمام تأويلات تمس المواد الدستورية المحصنة، أو توحي بأن الحوار قد يمتد إلى قضايا ترى أنها يجب أن تبقى خارج النقاش أصلًا.
ومن هنا يمكن فهم تشدد بعض أطراف المعارضة في المطالبة بحذف هذا الملف، أو على الأقل تقييده بشكل صريح يمنع أي مساس بالمقتضيات الدستورية المحصنة. فبالنسبة إليها، لا يتعلق الأمر فقط بحماية نصوص قانونية، بل أيضًا بمنع أي التباس سياسي قد يمنح الحوار، منذ بدايته، طابعًا مقلقًا أو يبعث برسائل سلبية إلى الرأي العام. ولهذا السبب، ذهب بعض ممثليها إلى حد المطالبة باستثناء مؤسسة الرئاسة نفسها من المواضيع المطروحة للنقاش، في محاولة واضحة لوضع سقف مسبق للحوار وضمان عدم انزلاقه نحو ملفات تعتبرها “خطًا أحمر”.
في المقابل، تبدو بعض أطراف الأغلبية أقل تشددًا في التعاطي مع هذا الملف، وترى أن مجرد إدراجه في النقاش التمهيدي لا يعني بالضرورة تبني موقف نهائي بشأنه، ولا يُفترض أن يُقرأ بوصفه قرارًا سياسيًا مكتملًا. ومن هذا المنظور، تدافع الموالاة عن فكرة مواصلة المشاورات من أجل الوصول إلى وثيقة مشتركة، معتبرة أن المسار لم يدخل بعد مرحلته الرسمية، وأن من السابق لأوانه تحميل النقاشات التحضيرية أكثر مما تحتمل.
غير أن هذا التباين في المقاربتين يكشف في العمق عن شيء آخر: الأطراف لا تختلف فقط على مضمون بند معين، بل تختلف على تعريف وظيفة الحوار نفسه. فالمعارضة تريد حوارًا مضبوط الإطار منذ اللحظة الأولى، لا يترك مجالًا للغموض في القضايا الحساسة. بينما تميل داخل الأغلبية مقاربة أكثر مرونة، تسمح بترك بعض الملفات مفتوحة داخل النقاش التمهيدي إلى حين نضج التوافق حولها. وبين المقاربتين يظهر التعثر الحالي بوصفه نتيجة منطقية لغياب أرضية ثقة كافية تسمح بتأجيل الخلاف دون أن يتحول إلى أزمة.
ويزداد هذا الانطباع قوة حين يخرج الجدل من داخل القاعة إلى وسائل الإعلام. فاستياء بعض ممثلي الأغلبية من طرح مواقف المعارضة عبر الإعلام بدل الاقتصار على الجلسات، يعكس هشاشة القنوات السياسية بين الطرفين، كما يكشف أن الصراع لا يجري فقط على طاولة التفاوض، بل أيضًا في ساحة الرأي العام. وهذا في حد ذاته مؤشر على أن كل طرف ما يزال يتصرف بمنطق التحسب والتعبئة، أكثر من تصرفه بمنطق الثقة والاطمئنان إلى المسار.
ومع ذلك، فإن هذا التعثر لا يعني بالضرورة أن الحوار دخل مرحلة الانسداد. بل يمكن النظر إليه، من زاوية أخرى، بوصفه أول اختبار جدي لحساسية الملفات المطروحة. فالحوارات السياسية الكبرى لا تبدأ عادة من مناطق التوافق السهل، بل من نقاط التوتر التي تحاول الأطراف تدبيرها قبل الانتقال إلى القضايا الأوسع. وفي هذا المعنى، قد يكون ما جرى جزءًا طبيعيًا من عملية جس النبض وبناء الضمانات المتبادلة، خاصة أن بعض المشاركين ما زالوا يؤكدون أن الجلسات التمهيدية لم تنهَر، وأن القطيعة لم تقع بعد، وأن إمكانية استئناف المسار خلال الأيام المقبلة ما تزال قائمة.
لكن هذا الاحتمال الإيجابي يظل مشروطًا بسرعة احتواء الخلاف. فكلما طال التعثر، ازداد خطر تحوله من تحفظ سياسي قابل للتجاوز إلى شك متبادل أعمق، وهو ما من شأنه أن يضعف صدقية المسار برمته. لأن الرأي العام، في نهاية المطاف، لن ينشغل كثيرًا بالتفاصيل الفنية للصياغة، بقدر ما سيلتقط الانطباع العام: هل الأطراف قادرة على الاتفاق حتى على جدول الأعمال، أم أن الخلافات البنيوية بدأت في الظهور قبل الدخول في صلب الحوار؟
إن ما تكشفه هذه البداية المتعثرة هو أن الحوار السياسي في موريتانيا لا يواجه فقط تحدي التوفيق بين رؤى مختلفة، بل يواجه أيضًا عبء الإرث الثقيل من انعدام الثقة بين الفاعلين. وهذا ما يجعل أي بند ذي طابع دستوري أو رمزي أكبر من مجرد نقطة في وثيقة عمل، ليصبح اختبارًا مباشرًا للنيات، ولحدود الإصلاح المقبول، ولقدرة كل طرف على تقديم الضمانات اللازمة للطرف الآخر.
وفي المحصلة، فإن التعثر الحالي لا ينبغي التقليل من شأنه، كما لا ينبغي تضخيمه إلى حد تصويره وكأنه نهاية مبكرة للمسار. فهو، في جوهره، يكشف أن الحوار يلامس منذ بدايته واحدة من أكثر نقاطه حساسية: العلاقة بين الإصلاح السياسي والسقف الدستوري، وبين مرونة التفاوض وضرورات الضمان. وإذا نجحت الأطراف في إنتاج صياغة تُطمئن المعارضة وتحفظ للأغلبية مساحة المناقشة، فقد يتحول هذا التعثر إلى محطة طبيعية في مسار جاد. أما إذا استمر الخلاف دون مخرج واضح، فإن ذلك سيعني أن الحوار يواجه أزمته الحقيقية قبل أن يبدأ فعليًا



.jpeg)

.jpeg)