
عاد ملف مصفاة نواذيبو إلى الواجهة مجددًا، على وقع الحراك الطاقوي المتسارع بين موريتانيا والجزائر، وفي سياق إقليمي يتسم باضطراب أسواق الطاقة وارتفاع حساسية سلاسل التوريد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت المصفاة ما تزال قائمة ماديًا، بل ما إذا كان إحياؤها يشكل خيارًا اقتصاديًا واقعيًا، أم أنه مجرد استدعاء متكرر لمشروع فقد جدواه منذ عقود.
المعطيات المتاحة تشير إلى أن مصفاة نواذيبو مشروع قديم يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، وأنها أُنشئت بطاقة تصميمية كبيرة مقارنة بحجم السوق المحلية آنذاك. فوثيقة للبنك الدولي عن قطاع الطاقة في موريتانيا وصفت المصفاة، في الثمانينيات، بأنها منشأة حكومية في نواذيبو بطاقة تصل إلى مليون طن سنويًا، لكنها لم تدخل التشغيل المنتظم بسبب الحاجة إلى مراجعة جدواها الاقتصادية والمالية والفنية. وفي مراجعة السياسة التجارية لموريتانيا، قالت منظمة التجارة العالمية إن البلاد كانت، حتى 2017، تستورد كامل حاجتها من المنتجات المكررة، وإن مصفاة نواذيبو ذات طاقة 20 ألف برميل يوميًا لم تعد تعمل منذ 2001، بينما كانت الحكومة تبحث عن مستثمرين لإعادة تأهيلها.
هذه الخلفية تكشف أن المصفاة لم تتحول يومًا إلى ركيزة مستقرة في منظومة التكرير الوطنية. فحتى حين كانت قائمة ضمن البنية التحتية للقطاع، ظلت البلاد تعتمد فعليًا على الاستيراد البحري للوقود، فيما اتجه دور الموقع أكثر نحو التخزين والخدمات اللوجستية من كونه مركزًا صناعيًا نشطًا للتكرير. ووثيقة البنك الدولي نفسها تبرز أن موريتانيا كانت تستورد المنتجات النفطية أساسًا من الخارج، وأن كلفة المناولة والنقل الداخلي كانت مرتفعة بسبب المسافات الطويلة وصغر الأحجام المنقولة، وهي عناصر ما تزال تفسر جزءًا من هشاشة قطاع المصب حتى اليوم.
ورغم ذلك، لم يختفِ حلم التكرير من النقاش الرسمي والاقتصادي. ففي 2008 حصلت الشركة الكندية Winfield Resources على ترخيص لبناء مصفاة جديدة في نواكشوط، قبل أن تتعثر الفكرة لاحقًا. ورويترز ذكرت في 2010 أن المشروع كان يُقدَّر بنحو 3 مليارات دولار، وأن الشركة كانت لا تزال تبحث عن ممولين، بينما أشار التقرير نفسه إلى أن المصفاة القائمة في نواذيبو، بطاقة 20 ألف برميل يوميًا، كانت تعمل عادة بأقل من خمس طاقتها بسبب سنوات من ضعف الاستثمار. هذا المسار يعكس أن الأزمة لم تكن يومًا في وجود فكرة التكرير بحد ذاتها، بل في شروط تمويلها وسوقها وواقعها اللوجستي.
التحول الأهم في السنوات الأخيرة لم يكن في اتجاه إعادة تشغيل المصفاة، بل في اتجاه إعادة بناء قطاع المصب على أساس الشراكات في الاستيراد والتخزين والتوزيع. فمذكرة التفاهم التي وقعتها الشركة الموريتانية للمحروقات مع سوناطراك في يناير 2025 نصت صراحة على دراسة جدوى تزويد موريتانيا بالمحروقات والمنتجات النفطية، وبحث إنشاء شركة مشتركة لتطوير قطاع المصب، بما في ذلك البنية التحتية للنقل والتخزين. وفي يونيو 2025، قالت الشركة الموريتانية للمحروقات إن المحادثات مع سوناطراك تناولت تنفيذ هذه الالتزامات، خصوصًا في مجالات التخزين والتوزيع. ثم عادت الشركة نفسها، في فبراير 2026، لتؤكد أن التعاون مع الجزائر يشمل كامل سلسلة القيمة، مع تركيز واضح على قطاع المصب والمنتجات النفطية والبتروكيميائية.
هذا التطور مهم لأنه ينقل النقاش من سؤال: هل نعيد تشغيل المصفاة؟ إلى سؤال أكثر واقعية: كيف نؤمن السوق الوطنية ونخفض هشاشة الإمداد؟. فالمشكل الأساسي في موريتانيا اليوم لا يتمثل فقط في غياب منشأة تكرير عاملة، بل أيضًا في غياب منظومة متكاملة وفعالة لقطاع المصب على المستوى الوطني. ومنظمة التجارة العالمية كانت قد سجلت بوضوح أن المنتجات المكررة كلها كانت مستوردة، وأن الاعتماد على الخارج ظل القاعدة حتى بعد توقف المصفاة. وهذا يعني أن التحدي الحالي يرتبط بقدرة البلد على تنظيم الواردات والتخزين والتوزيع، أكثر مما يرتبط بمجرد إعادة بعث منشأة قديمة.
ومن الناحية الاقتصادية، لا توجد مؤشرات كافية تسمح بالقول إن إعادة تشغيل مصفاة نواذيبو، بصيغتها التاريخية أو ببنيتها القائمة، أصبحت اليوم خيارًا مربحًا أو جاهزًا تقنيًا. بل إن المعطيات الأقرب إلى الاعتماد تشير إلى العكس: المنشأة بقيت متوقفة لسنوات طويلة، وموريتانيا ظلت بلدًا مستوردًا للمنتجات المكررة، وكل المحاولات الكبرى اللاحقة لبناء قدرات تكرير جديدة اصطدمت بعقبة التمويل أو جدوى السوق. وعليه، فإن الحديث عن “عودة المصفاة” يبدو، حتى الآن، أقرب إلى استحضار أصل صناعي قائم، لا إلى مشروع ناضج قابل للتنفيذ في الأمد القصير.
في المحصلة، فإن عودة مصفاة نواذيبو إلى النقاش الطاقوي لا تعني بالضرورة عودة التكرير نفسه، بقدر ما تعكس حجم القلق من هشاشة النموذج القائم على الاستيراد الكامل. التقارب مع الجزائر يمنح موريتانيا فرصة لتعزيز أمنها الطاقوي، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن الرهان الأكثر واقعية ليس في إحياء مشروع قديم بقدر ما هو في هيكلة قطاع المصب: تحسين الاستيراد، توسيع التخزين، بناء شراكات توزيع أكثر صلابة، وتقليص الكلفة اللوجستية التي تظل أحد أكبر أعباء سوق المحروقات في البلاد.



.jpeg)

.jpeg)