لماذا ترتفع كلفة توريد المحروقات في موريتانيا؟

ليس سعر المحروقات في موريتانيا مجرد حاصل مباشر لتقلبات النفط في الأسواق الدولية، كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل هو نتيجة بنية معقدة من التمويل والنقل والتخزين والضمانات والاحتياطات اللوجستية. وتكشف وثيقتان أساسيتان، هما دفتر الشروط الخاص بتوريد المحروقات عبر Addax Energy وهيكل الأسعار الرسمي الصادر في 15 يوليو 2022، أن ما يصل إلى المستهلك عند المضخة ليس مجرد “سعر شراء” مضاف إليه هامش ربح، بل محصلة سلسلة طويلة من الأكلاف المباشرة وغير المباشرة.    

 

تُظهر الوثائق أن الدولة الموريتانية تعاملت مع التوريد بوصفه قضية أمن إمداد أكثر من كونه صفقة شراء عادية. فدفتر الشروط يمنح المورّد امتيازًا حصريًا لفترة محددة، لكنه في المقابل يفرض عليه ضمان التموين المنتظم، تكوين مخزون أمان، احترام المواصفات الفنية، تحمّل غرامات التأخير، وتقديم كفالة حسن تنفيذ بقيمة عشرة ملايين دولار. وهذا يعني أن السعر المتولد في السوق المحلية لا يعكس فقط قيمة البنزين أو الغازوال في السوق الدولية، بل يعكس أيضًا كلفة تحمل المخاطر وضمان استمرارية التموين.  

 

ولا يقف الأمر عند هذا الحد. فآلية التسعير نفسها، كما يبينها دفتر الشروط، تربط سعر التنازل في المستودعات الموريتانية بمراجع دولية مثل FOB MED وFOB NWE، ثم تضيف إليها عناصر الشحن البحري والتأمين وكلفة الائتمان المبنية على LIBOR لثلاثة أشهر  (سعر الفائدة المرجعي للدولار  لثلاثة أشهر) مع هامش إضافي، فضلًا عن كلفة النقل الداخلي بين نواذيبو ونواكشوط بالنسبة إلى جزء من الإمدادات. بهذا المعنى، فإن موريتانيا لا تستورد المنتج وحده، بل تستورد معه التمويل والزمن والخدمة اللوجستية.  

 

وتبرز هنا إحدى أهم خصائص السوق الموريتانية: الكلفة لا تتحدد عند الميناء فقط، بل تتأثر أيضًا بطريقة توزيع الإمدادات بين الشمال والعاصمة. فدفتر الشروط يميز بين مستودعات نواذيبو ونواكشوط، ويقر بوجود كلفة إضافية للكابوتاج أو النقل البحري الداخلي في بعض الحالات، مع النص على أن هذه الكلفة لا يتحملها المورد نهائيًا بل تمرر إلى المشتري. وهذا يجعل جزءًا من كلفة السوق الوطنية مرتبطًا ليس فقط بالسعر العالمي، بل كذلك ببنية المرافئ والتخزين ومسارات الإمداد داخل البلد نفسه.  

 

كما يضع العقد مسألة مخزون الأمان في قلب المعادلة. إذ يلزم المورد بتكوين مخزون احتياطي يعادل شهرًا من الاستهلاك، موزعًا بين نواذيبو ونواكشوط، مع تحديد كميات لكل منتج، وفرض عقوبات في حال عدم احترام هذا الالتزام. ومن الناحية الاقتصادية، فإن هذا المخزون يمثل رأسمالًا مجمدًا وتكلفة تخزين وتأمين وفاقدًا ومخاطر سعرية، ما يجعله عنصرًا ثقيلًا في كلفة التوريد حتى قبل الوصول إلى محطة الوقود.  

 

أما هيكل الأسعار الرسمي المؤرخ في 15 يوليو 2022، فيُظهر الوجه الآخر من الصورة. فالوثيقة تبين أن كلفة الشراء في نواكشوط بلغت 4,571.40 أوقية قديمة للهيكتولتر بالنسبة للبنزين، و4,986.02 للغازوال، قبل إضافة الرسوم الجمركية والضريبية، والضريبة على القيمة المضافة، وهامش التخزين، والفاقد، والرسوم المالية، ورسوم التفتيش، والضرائب البلدية، ودعم النقل الحضري، وهوامش الشركات، ورسوم التنظيم. غير أن البند الأكثر دلالة في هذه الوثيقة هو “تمليس الأسعار” أو Lissage des prix، الذي بلغ 2,145.99 للبنزين و2,956.28 للغازوال في نواكشوط لكل هيكتولتر، وهو ما يعني أن السعر النهائي لا يعكس الكلفة المباشرة فقط، بل يخضع أيضًا لتدخل يهدف إلى احتواء أثر الصدمة السعرية على السوق المحلية.  

 

هذه المفارقة تكشف الكثير عن طريقة اشتغال السوق. فمن جهة، هناك كلفة حقيقية مرتفعة نسبيًا، محمّلة بالتمويل والشحن والتخزين والاحتياطي. ومن جهة أخرى، لا تُنقل هذه الكلفة كاملة بصورة آلية إلى المستهلك، بل يجري امتصاص جزء منها أو إعادة توزيع أثرها عبر آليات التسوية. وبذلك يصبح السعر عند المضخة ليس مرآة كاملة لكلفة الاستيراد، بل نتيجة كلفة الاستيراد بعد المعالجة السياسية والمالية.

 

وإذا كان هذا يكشف حرصًا على استقرار السوق وحماية القدرة الشرائية، فإنه يكشف أيضًا مشكلة أخرى لا تقل أهمية، هي أن بنية السعر في موريتانيا ليست معروضة للرأي العام في وثيقة واحدة متكاملة. فالصورة الكاملة لا تظهر إلا عند جمع دفتر الشروط مع قرار الأسعار، أي عند الربط بين منبع الكلفة من جهة، وبنيتها النهائية من جهة أخرى. وهذا يجعل النقاش العمومي حول المحروقات عرضة للاختزال، لأن التركيز على السعر النهائي وحده يخفي الكثير من عناصر الكلفة الحقيقية.

 

إن الدرس الأهم الذي تفرضه هذه الوثائق هو أن إصلاح ملف المحروقات في موريتانيا لا يمكن أن يقتصر على مراجعة السعر النهائي أو مراقبة هوامش التوزيع فقط. فجوهر المشكلة يوجد في آليات التوريد نفسها: في كلفة التمويل، وفي بنية الشحن والنقل، وفي عبء مخزون الأمان، وفي تعدد حلقات التخزين، وفي الطريقة التي تُدار بها تسوية الأسعار. لذلك فإن أي نقاش جاد حول خفض الأسعار أو جعل السوق أكثر كفاءة لا بد أن يبدأ من تفكيك هذه البنية وإعادة النظر فيها، لا من الاكتفاء بطرح السؤال التقليدي: لماذا السعر مرتفع أو منخفض؟

 

 

ما تكشفه الوثائق  ليس مجرد تفاصيل فنية، بل منطق كامل يحكم سوق المحروقات في موريتانيا: السوق لا يدفع فقط ثمن المحروقات، بل يدفع أيضًا ثمن هشاشة السلسلة اللوجستية، وثمن التمويل، وثمن الاحتياط، وثمن إدارة المخاطر. ولذلك فإن أي سياسة جادة في هذا الملف ينبغي أن تستهدف خفض كلفة التوريد البنيوية قبل البحث عن حلول ظرفية عند المضخة. فهناك يبدأ الإصلاح الحقيقي.

 

مولاي سيد احمد

اثنين, 30/03/2026 - 10:01