
تصوروا أن رئيس إحدى الدول النامية قام بزيارة للاتحاد السوفياتي قبيل سقوط جدار برلين وانهيار السوفيات بأشهر قليلة لمناقشة بناء علاقة استراتيجية معهم؛ ألا تبدو تلك الزيارة في نظر التاريخ انفصالًا كليًا عن الواقع؟
زيارة الرئيس غزواني لأوروبا لتعزيز الشراكة مع الناتو هذه الأيام لا تختلف كثيرًا؛ والمشكلة هنا ليست في الزيارة ولا في الظروف الجارية، بل في التقويم الاستراتيجي لحالة الطرف الآخر، هل هو في طور الصعود أم في طور الهبوط وحتى ربما الاحتضار.
إن الناتو اليوم ليس ذلك الحلف القوي الذي ظهر في سياق الحرب الباردة بجبهة داخلية متماسكة وقاعدة مالية وعلمية بالغة الصلابة، تعكس هيمنة منطقة شمال الأطلسي على العالم، بل إنه اليوم كيان يعيش مفارقة عميقة، تضخم في المساحة مع انكماش في القدرة وعجز في المعنى الاستراتيجي الموحد لضفتي الأطلسي، وأوروبا نفسها تعاني، وبشكل بائس، ليس فقط بسبب الحرب في أوكرانيا، بل لأن الحرب ونزعة التفرد الأمريكية كشفت هشاشة الاستقلال الاستراتيجي لها، وكشفت كذلك عمق التبعية والارتهان للخارج بسبب مشكلة الطاقة، بالإضافة إلى، وربما نتيجة لذلك، تناقض المصالح الفردية والجماعية، ثم إن هناك أمرًا آخر، فألمانيا على سبيل المثال، وهي العمود الفقري للاتحاد الأوروبي ديموغرافيًا واقتصاديًا، سائرة عاجلًا أم آجلًا نحو الشراكة مع روسيا، فهي محكومة بمعادلات يصعب كسرها، حاجتها البنيوية للطاقة الرخيصة والمستقرة، وهو أمر يستحيل تحقيقه دون روسيا، ثم إنها تاريخيًا دولة شرقية رغم انتمائها الغربي المفتعل بعد الحرب العالمية الثانية، لكنها لم تفقد أبدًا بعدها الشرقي، فانحيازها المرتقب لروسيا يلبي بعدًا نفسيًا وجغرافيًا، لأنه كما هو معلوم لا علاقة لألمانيا جغرافيًا بالأطلسي.
إن عودة ألمانيا إلى حضنها الشرقي يعيد الأمور إلى نصابها، فضلًا عن تحقيق استقرار استراتيجي تكاملي بين قوتين تمتلك إحداهما فائضًا هائلًا في الطاقة والمواد الأولية، وتمتلك الأخرى التكنولوجيا والصناعات المتقدمة عالية القيمة.
إن هذا التحول، إذا حدث، وهو مرجح على المدى القريب والمتوسط، فإن تداعياته ستكون واضحة على البنية الحالية للاتحاد الأوروبي، لأن الاتحاد في جوهره قائم على انسجام المصالح بين أعضائه الكبار، وعلى رأسهم ألمانيا. فإذا اختارت هذه الأخيرة مسارًا لا يحقق مصلحتها فحسب، بل هو قارب نجاتها، فإن الاتحاد سيتحول إلى شبكة شراكات ستتآكل تدريجيًا مع الزمن؛ ومن المؤكد أنه بدون اتحاد أوروبي قوي، يصبح الناتو قصة من التاريخ، تمامًا كحلف وارسو.
في هذا الأفق، تبدو الرهانات على الناتو كخيار استراتيجي طويل المدى نوعًا من سوء قراءة الزمن واتجاه الأحداث؛ إن هناك بونًا شاسعًا بين طرق أبواب منظومات تتآكل، وبين ما تمليه التحولات اليوم من ضرورة التفكير في وسيلة لحجز موقع استباقي في مراكز جديدة تتشكل.
لقد كانت تجربة المختار ولد داداه بانحيازه للصين في بداية الستينات، وهي بعد دولة ثورية منبوذة، إحدى اللحظات المميزة في تاريخنا السياسي، فهو لم ينتظر اكتمال التحولات ليتحرك، بل استبقها وحجز مكانة في قلب معادلات رآها أو أحس بها قادمة لا محالة، لقد حصدت بلادنا بعض ثمار هذا التحرك، ذلك أن الموقع الذي لا يُنتزع أثناء التحولات لا يمكن الحصول عليه بعد استقرار العالم ووضوح حقيقة كل شيء



.jpeg)

.jpeg)