
مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط واضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز، عاد الحديث في موريتانيا عن المخزون الاستراتيجي من المحروقات، باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات. غير أن هذا المفهوم، رغم حضوره في النقاش العام، غالبًا ما يُفهم بشكل غير دقيق، خاصة فيما يتعلق بدوره وحدوده.
في الواقع، لا يُعد المخزون الاستراتيجي أداة لمواجهة ارتفاع الأسعار، بل وسيلة لضمان استمرارية الإمدادات في حالات الطوارئ. فالدولة لا تلجأ إلى هذا المخزون إلا عندما تواجه السوق خطرًا فعليًا يتمثل في نقص المحروقات أو تعطل وصول الشحنات، سواء بسبب أزمات جيوسياسية أو اضطرابات لوجستية.
وفي مثل هذه الحالات، يتم ضخ كميات من المخزون لتفادي الانقطاع والحفاظ على الحد الأدنى من التوازن داخل السوق، خصوصًا في القطاعات الحيوية كالنقل والكهرباء. كما يمكن استخدامه بشكل محدود لاحتواء اضطرابات مفاجئة في التوزيع الداخلي أو موجات هلع استهلاكي.
لكن في المقابل، لا يُستخدم هذا المخزون لمواجهة الارتفاع المستمر في الأسعار العالمية، طالما أن الإمدادات لا تزال تصل إلى البلاد. فالمشكلة في هذه الحالة تكون مالية وليست لوجستية، أي مرتبطة بكلفة الشراء وليس بتوفر المادة.
وهنا تظهر حدود هذه الأداة بوضوح. فموريتانيا، التي تعتمد على استيراد المشتقات النفطية، تمتلك مخزونًا يغطي فترة محدودة من الاستهلاك، ما يجعلها قادرة على امتصاص الصدمات القصيرة، لكنها تبقى معرضة لتداعيات الأزمات الطويلة، حيث لا يمكن الاعتماد على المخزون لتعويض نقص مستمر أو لتثبيت الأسعار لفترة ممتدة.
وفي سياق الأزمة الحالية، يكتسب هذا التمييز أهمية خاصة. فإذا استمرت الإمدادات رغم ارتفاع الأسعار، فلن يكون اللجوء إلى المخزون خيارًا مطروحًا، لأن ذلك سيؤدي إلى استنزافه دون حل جوهري للمشكلة. أما إذا حدث اضطراب فعلي في الإمدادات، فسيصبح المخزون أداة ضرورية لضمان استمرار التموين.
بذلك، يتضح أن المخزون الاستراتيجي يشكل عنصر أمان مهم، لكنه ليس حلًا شاملًا. فهو يحمي السوق من الندرة، لكنه لا يحميها من الغلاء. وبين هذين البعدين، تتحدد قدرة الدولة على إدارة الأزمات، ليس فقط عبر التخزين، بل أيضًا عبر السياسات المالية والطاقوية القادرة على التكيف مع تقلبات السوق العالمية.
خلاصة
المخزون الاستراتيجي في موريتانيا هو أداة لمواجهة الطوارئ وضمان استمرارية الإمدادات، لا وسيلة لتثبيت الأسعار. وفي زمن الأزمات العالمية، يظل الفرق بين “توفر الوقود” و”تكلفته” هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه الدولة والمجتمع



.jpeg)

.jpeg)