
رفض إيران للتفاوض مبدئيًا مع مندوبي دونالد ترامب المفضلين، كوشنر وويتكوف، واشتراطها أسماء بديلة مثل جي دي فانس، يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة التفاوض بوصفه ساحة صراع لا تقل أهمية عن ميدان المواجهة العسكرية. هذا هو ما كان يفعله المقاتلون الفيتناميون أثناء حربهم الشهيرة ضد الولايات المتحدة، حيث لم تكن القيادة في هانوي تتعامل مع المفاوضات كطريق لإنهاء الحرب، بل كامتداد لها، وكأداة لإعادة تشكيل حساباتها ورسم مسارها؛ لهذا لم يكونوا يقبلون الجلوس مع أي ممثل أمريكي، بل كانوا ينتقون بعناية من يعتبرونهم أقل حماسة للحرب، كما فعلت إيران اليوم حين ركزت على نائب الرئيس جي دي فانس. لم يكن ذلك، بطبيعة الحال، بدافع حسن النية، بل بهدف تعميق الانقسام داخل الإدارة الأمريكية نفسها، وتحويل طاولة التفاوض إلى ساحة ضغط داخلي على تماسك فريق ترامب الضيق.
بهذا المعنى، تصبح المفاوضات جبهة موازية للقتال، تكسب فيها إيران الوقت، وتعيد ترتيب أوراقها الميدانية، وتفرض سرديتها على العالم، وفوق ذلك كله تطيل أزمة الطاقة وترفع منسوب الضغط والتوتر عالميًا.
هذا المنطق التوظيفي لكل شيء، أو “فتنمة” المواجهة إن صح التعبير، كان حاضرًا في السلوك الإيراني منذ اليوم الأول؛ فإدخال مسألة مضيق هرمز إلى واجهة المشهد، ثم نقلها إلى بنود المفاوضات رغم أنها لم تكن أصل النزاع، يعكس محاولة واعية لإعادة تعريف موضوع الصراع نفسه، ونقل مركز الثقل من الملف النووي إلى الجغرافيا والسيادة الترابية. هنا لا تعود القضية مجرد برنامج نووي، بل تتحول إلى معادلة سيطرة على شريان عالمي للطاقة، أي إلى مستوى أعلى من التصعيد الرمزي والاستراتيجي.
والأخطر من ذلك أن إيران تدرك مسبقًا أن قبولها الدخول في مفاوضات مع الأمريكيين يفتح نافذة استخباراتية ثمينة أمام واشنطن وتل أبيب لفهم بنية القرار داخل النظام الإيراني، خاصة بعد سلسلة الاغتيالات التي استهدفت قيادات الصف الأول. فسيراقبون من يجلس على الطاولة، ومن يتكلم، ومن يتم الاتصال به ومراجعته، أي باختصار من يملك سلطة الحسم. كل ذلك ليس تفاصيل بريئة، بل معطيات استراتيجية واستخباراتية تهتم بها إسرائيل كثيرًا. وقد لا يكون الفخ في الاغتيال المباشر للشخصيات الجديدة، مع أنه ليس مستبعدًا، بل في كشف الخريطة الداخلية للنظام، أي شبكات النفوذ وطبيعة الوجوه الصاعدة.
إنها – أي المفاوضات – محاولة لإعادة بناء صورة الخصم بعد أن تعرضت للاهتزاز بفعل الضربات السابقة، لا أكثر ولا أقل. وإيران تدرك ذلك جيدًا، فهي ليست ساذجة، وقد فاوضت الأمريكيين وخبرتهم طويلًا، حتى منذ أيام أزمة الرهائن الذين احتجزهم الطلاب في السفارة الأمريكية بعد نجاح الثورة سنة 1979. إن إيران لا تتعامل مع المفاوضات بالطريقة التي يمارسها بها العرب، أي كوسيلة لإنهاء الصراع والتوتر، بل كأداة من أدوات الحرب، تمامًا كما تفعل مع الجغرافيا، حيث يتحول مضيق هرمز إلى ورقة ضغط، ويتحول التدخل في اختيار المفاوضين إلى أداة إرباك للخصم، وتصبح كل إشارة محسوبة ضمن لعبة أكبر.
إن إيران تعيد اليوم إنتاج الدرس الفيتنامي، ولكن بنسختها الخاصة. ومن المفارقات أن أغلب ملامح المشهد الفيتنامي متوافرة اليوم؛ فداعمو إيران اليوم هم تقريبًا نفس داعمي فيتنام في السبعينيات، سوى أن إيران تدافع عن مشروع أضخم وأكبر… وربما يكون هو أمل العالم.



.jpeg)

.jpeg)