
في لحظة دولية تتسم باضطراب غير مسبوق في أسواق الطاقة، تجد موريتانيا نفسها أمام مفارقة اقتصادية عميقة: ارتفاع أسعار النفط، الذي يفترض أن يكون فرصة، يتحول في الواقع إلى ضغط مباشر على المالية العمومية والقدرة الشرائية للمواطنين.
التطورات الجيوسياسية الناجمة عن الحرب في ايران، وفي منطقة الخليج، أعادت إلى الواجهة هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، حيث يمر جزء كبير من النفط والغاز عبر ممرات استراتيجية ضيقة. وتشير المعطيات إلى أن أي اضطراب في هذه الممرات يمكن أن يحجب ملايين البراميل يوميًا عن السوق العالمية، ما يدفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة قد تتجاوز 120 دولار للبرميل في سيناريوهات التصعيد الحاد .
اقتصاد مزدوج التأثير
بالنسبة لموريتانيا، لا يمكن قراءة ارتفاع أسعار النفط من زاوية واحدة. فهناك جانب إيجابي يتمثل في تحسن مداخيل الدولة من صادرات الغاز، المرتبطة بشكل غير مباشر بأسعار النفط العالمية.
لكن في المقابل، تواجه البلاد كلفة أعلى بكثير لاستيراد المحروقات، ما يخلق فجوة مالية واضحة.
وتُظهر الأرقام أن كل زيادة في الأسعار العالمية تؤدي إلى:
•ارتفاع محدود في الإيرادات المرتبطة بالغاز
•مقابل ارتفاع أكبر بكثير في فاتورة استيراد الوقود
هذا الاختلال يعكس طبيعة الاقتصاد الطاقوي الموريتاني، الذي لا يزال يعتمد على الاستيراد لتلبية الطلب الداخلي، رغم بدء دخول البلاد إلى نادي الدول المنتجة للغاز.
هشاشة بنيوية في منظومة الطاقة
تكشف هذه الوضعية عن إشكال أعمق: موريتانيا ليست بعدُ دولة طاقوية مكتفية، بل هي في مرحلة انتقالية، حيث تتقاطع فيها:
•عائدات مستقبلية واعدة من الغاز
•مع واقع حالي قائم على التبعية للأسواق الخارجية
وفي مثل هذا النموذج، تصبح تقلبات الأسعار العالمية عاملًا مزدوج التأثير:
•تحفّز الإيرادات من جهة
•وتضغط على الميزانية والدعم من جهة أخرى.
الرهان الاجتماعي والاقتصادي
في ظل هذه المعادلة، يصبح التحدي الأساسي هو كيفية حماية الفئات الهشة دون الإخلال بالتوازنات المالية.
ارتفاع أسعار الوقود لا يؤثر فقط على النقل، بل يمتد إلى أسعار المواد الغذائية، تكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي والقدرة التنافسية للاقتصاد.
ما يعني أن أي صدمة في أسعار الطاقة تتحول سريعًا إلى تضخم شامل يمس مختلف جوانب الحياة اليومية.
نحو سياسة طاقوية أكثر مرونة
الوضع الحالي يفرض التفكير في مقاربة جديدة لإدارة قطاع الطاقة، تقوم على:
1.توجيه الدعم بشكل أكثر دقة نحو الفئات المستحقة
2.تقليص الهدر في الاستهلاك عبر سياسات ترشيد فعالة
3.استثمار العائدات الطاقوية في بناء استقلالية تدريجية
4.تنويع مصادر الطاقة (الطاقات المتجددة خصوصًا)
فالتحول من اقتصاد مستورد للطاقة إلى اقتصاد منتج لا يكتمل بمجرد بدء الإنتاج، بل يتطلب إعادة هيكلة شاملة للسياسات العمومية المرتبطة بالاستهلاك والدعم.
خلاصة
موريتانيا اليوم أمام اختبار حقيقي:
هل تستطيع تحويل الطفرة الغازية إلى أداة لتحقيق التوازن الاجتماعي والاقتصادي، أم ستظل رهينة تقلبات الأسواق العالمية؟
الإجابة لا تكمن في حجم الموارد، بل في كيفية إدارتها.



.jpeg)

.jpeg)