أضواء حيٍّ ثري

لو تأخرت المناسبة يومين فقط، لربما كانت طوق نجاتهما. فسحة مضيئة وسط ثقل صمتهما، وهدنة تُمنح لزوجين شابين بدأ حبّهما يترنّح كطائر جريح يبحث عبثًا عن سماء أكثر رحمة. لكن شيئًا لم يجرِ كما تمنّيا. الأيام التي سبقت الاحتفال لم تكن سوى انجراف بطيء، وانزلاق شبه غير محسوس نحو حقيقة طالما تهرّبا من مواجهتها.

 

لم يعد شيء كما كان. الكلمات التي كانت تحمل دفئًا وحنانًا، صارت حادّة، دقيقة، تكاد تكون جراحية في قدرتها على الإيلام. كانت تتفجّر على شكل دفعات، تتخللها صمت ثقيل وملامح متوترة، كأن الوجوه نفسها لم تعد قادرة على كتم ما عجزت القلوب عن إخفائه. ومن خلال تلك الشظايا، كان كل منهما يكشف، رغمًا عنه، جوانب من أعماقه، طباعًا كانت مخفية تحت ستار العاطفة والوعود.

 

ما كان مزيّنًا بالرغبة عاد إلى صورته العارية. فقدت الإيماءات دفئها، وخفت بريق النظرات. ولم تبقَ إلا حقيقة قاسية، لا أحد منهما يعرف كيف يتعايش معها.

 

كان الشاب متشبثًا بكبرياء يخلطه أحيانًا بالكرامة، يكرر أنه لن يتكفل بكسوة أهل زوجته. صوته كان حاسمًا، لا يترك مجالًا لأي نقاش. في المقابل، كانت زوجته تتلقى كلماته كضربات صامتة. لم تردّ بدايةً سوى بصمت مجروح، تنسحب إلى كرامة هشة، تطفئ هاتفها كما يُغلق باب، وتبتلع خجلها في صمت معبّر.

 

كانت قليلة الكلام، لكن صمتها كان اتهامًا واضحًا.

 

هو، في محاولة مرتبكة لترميم ما كسره، أكد أن قراره نهائي لا رجعة فيه. بل وعد، في اندفاع أقرب إلى التضحية، ببيع سيارته لتحمل مسؤولياته هو فقط، دون غيرها. ذلك “فقط” كان حدًا فاصلاً بينهما، كخط غير مرئي لا يمكن تجاوزه.

 

ثقل الهواء بينهما. كل حوار جديد كان يضيف توترًا آخر. وسرعان ما تحولت الكلمات من جسور إلى أسلحة. تشوّهت، تصادمت، تكسّرت، حتى فقدت معناها، ولم يبقَ سوى شتائم واتهامات.

 

حينها، خرج كل ما كان مكبوتًا إلى السطح.

 

العيوب، المخاوف، الجراح القديمة، وكل ما يُخفى بدافع الحب أو الحياء، وجد طريقه أخيرًا. عاد كل منهما إلى أعمق ذاكرته، حيث تختلط الإحباطات بالحقيقة المؤلمة. انهار ذلك الحاجز الأخلاقي الهش تحت وطأة الانفعال.

 

تجرأ هو على قول ما لم يكن ينبغي أن يُقال بهذه الطريقة: إنهما ينتميان إلى بيئة متواضعة، وأن إمكانياتهما محدودة. كلمات بسيطة، لكنها في ذلك السياق كانت كالحكم القاسي.

 

هي، وقد جُرحت في كبريائها، ردت بهجوم صامت لكنه لا يقل حدة. اتهمته بضعف الطموح، وبأنه لا يثق بنفسه، وأنه يستسلم سريعًا ويقبل بالبقاء في المكان الذي جاء منه.

 

رأى في ذلك خيانة. مقارنة دائمة بالآخرين، وكأن حياتهما لا تكفي. وكأنها تبحث في حياة غيرهما عن نسخة أفضل من حياتها.

 

في نواكشوط، كانت المدينة نفسها تغذي هذه الأوهام. هناك، العنوان يصنع المكانة. والحي يحدد القيمة. المظهر يصبح حقيقة، والحقيقة مجرد مظهر. مدينة قاسية في أحكامها الصامتة، تحاصر الناس بصور يصعب الخروج منها.

 

وهما، وسط هذا المسرح الاجتماعي، كانا يحاولان إنقاذ ما تبقى بينهما.

 

جاء يوم العيد رغم كل شيء، بضيائه وتقاليده. وكأنها غريزة بقاء، عادا إلى بعضهما. استدعيا ذكرياتهما، تلك اللحظات التي كان كل شيء فيها ممكنًا. تمسكا بها بحذر، رافضين أن تفسد جراحهما هذا اليوم المقدس، يوم التسامح وتخفيف الأعباء.

 

لكن خلف هذا الهدوء الهش، بقيت الشقوق.

 

فبعض الجراح لا تلتئم في يوم واحد. وتدخل الآخرين، تلك الأصوات التي تتسلل إلى الخصوصيات، يهزّ دائمًا الأسس، حتى وإن بدت صلبة.

 

يقال إن بعض الأزواج ينجون من ذلك…

لكنهم قلّة

سبت, 21/03/2026 - 14:18