أضواء حيّ راقٍ

بدت زينبو وكأنها في عالم آخر حين أخبرها إسماعيل أنهما لن يبقيا في تفرغ زينه سوى شهر إضافي. شهر واحد، لا يومًا أكثر. فالمهندس، رغم عمله في شركة تعدين كبرى، لم يعد قادرًا على مجاراة التكاليف. الإيجار يبتلع راتبه، والديون بدأت تضيق الخناق عليه.

 

لم تكن المسألة مسألة مال فحسب، بل مسألة حقيقة.

 

كان إسماعيل يعمل بجنون. يستيقظ قبل الفجر ويعود بعد حلول الليل، حاملاً وحده عبء الفواتير والمشتريات والمصاريف الخفية. كان يكرر لكل من يريد أن يسمع — ولنفْسه قبل غيره — أن الأمور على ما يرام، وأنه يسيطر على الوضع، وأن مهندسًا بخبرته سيصعد السلم الوظيفي في نهاية المطاف. لكنه كان يخفي حقيقة أكثر مرارة: من دون وساطة، ومن دون “الانتماء القبلي”، ستظل طموحاته بطيئة التحقق. وكان هذا الخيار القائم على النزاهة، الذي كان يرفعه بفخر، يتحول في البيت إلى مصدر صامت للإحباط. كان يكذب حين يقول إنه لا يلومها، ويكذب حين يدّعي أن تضحياته لا تكلفه شيئًا.

 

أما زينبو، فكانت تلعب دور الأميرة في مملكة قائمة على الديون. تستيقظ متأخرة، والهاتف في يدها، وتقضي بعد الظهر بين التسوق والمطاعم. وكانت تؤكد أن هذه المصاريف “استثنائية”، وأن السكن في هذا الحي الراقي استثمار في صورتهم ومستقبلهم ومكانتهم. كانت تعد بأنها ستنتبه، وتعد بأنها ستتغير. لكنها كانت تكذب.

 

الشقة، التي كانت يومًا واجهة لنجاحهما، أصبحت أشبه بديكور متصدع. لا طعام يُطهى، ولا تنظيف منذ أسابيع. المراحيض أصبحت غير صحية، والمطبخ غارق في النفايات. الروائح تنفّر الضيوف القلائل عندما توافق على استقبال أحد. حتى أهل الزوج لم يكن بوسعهم دخول البيت إلا بإذنها. إهانة كان إسماعيل يتحملها بصمت.

 

ثم كانت هناك السيارة.

 

سيارة باهظة الثمن، بلا جدوى حقيقية، تقف أمام المبنى كأنها كأس فخر. كان إسماعيل يصر: إذا أرادت الاستمرار في العيش في تفرغ زينه فعليها بيعها. فهي لا تعمل ولا تحتاج إليها. هذا المال سيمنحهما بعض الهواء، ويساعد على دفع الإيجار لبضعة أشهر إضافية، وربما الحفاظ على المظاهر. لكنها كانت تقول إنها متمسكة بها، وتدّعي أنها تبحث عن عمل وأنها ستحتاج إليها قريبًا. كذبة أخرى. في الحقيقة كانت تلك السيارة رمزها الأخير، حصنها الأخير ضد واقع التراجع الاجتماعي. بيعها يعني الاعتراف بأن الحكاية الجميلة قد انهارت.

 

أصبحت النقاشات نادرة، والنظرات ثقيلة. كانا يتفحصان بعضهما البعض بحذر وعداء مكتوم. الهواتف تُغلق بكلمات مرور، ومكالمات صامتة على الشرفة، ورسائل تُمحى على عجل. كل منهما يشك في خيانة الآخر، دون أن يمتلك الشجاعة لمواجهة خيانته الخاصة. ففي الحقيقة، كان الكذب بينهما قد بدأ منذ البداية. هو قدّم نفسه رجلًا قادرًا على توفير حياة بلا حدود، وهي ظهرت كزوجة مستعدة للبناء والمساندة والمشاركة.

 

واليوم انكشفت الحقيقة: هو منهك، وهي غير راضية. هو يريد إنقاذ الحسابات، وهي تريد إنقاذ المظاهر. هو يتحدث عن بيع السيارة، وهي تتحدث عن الكرامة. لكن لا أحد منهما يتحدث عن الحب.

 

في تفرغ زينه، لا يرحم البذخ الأوهام. وحين ينسحب المال، لا يبقى سوى الطباع — عارية، حادة، وقاسية.

 

قال: شهر واحد.

لكن الذي كان يقترب من نهايته لم يكن عقد الإيجار فقط، بل الكذبة التي بُني عليها زواجهما

سبت, 07/03/2026 - 01:15