ملف الصحراء الغربية… قراءة في المقترح المغربي الجديد للحكم الذاتي

تشكل المقارنة بين المقترح المغربي للحكم الذاتي، الذي قُدم إلى مجلس الأمن سنة 2007، والصيغة التي يجري تداولها في 2026، محورًا أساسيًا في قراءة تطور المبادرة. فبينما كان نص 2007 بمثابة إطار سياسي يفتح باب التفاوض ويحدد المبادئ العامة للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، تشير المعطيات المتداولة اليوم إلى أننا أمام تصور عملي مفصل يتناول بدقة الجوانب المالية والمؤسساتية وآليات التوازن بين السلطات.

 

توزيع الموارد: نحو استقلال مالي أوسع

 

وفق ما يتم تداوله، يتضمن النص المحدَّث تحديد نسب واضحة لتقاسم عائدات الموارد الطبيعية، بما يمنح الكيان الجهوي المرتقب هامشًا ماليًا واسعًا يقترب من الاستقلالية المالية، مع الإبقاء على السيادة المغربية.

ويعكس هذا التحول انتقالًا من منطق “التمكين الإداري” إلى “التمكين الاقتصادي”، بحيث تصبح الجهة قادرة على تدبير جزء معتبر من مواردها ذاتيًا ضمن منظومة وطنية موحدة.

 

برلمان جهوي ثلاثي التمثيل

 

على المستوى المؤسساتي، يُعد إدخال نظام تمثيل ثلاثي داخل البرلمان الجهوي من أبرز المستجدات. ففي حين اكتفى مقترح 2007 بالإشارة إلى انتخابات عامة، تشير صيغة 2026 إلى تمثيل متوازن بين:

 

-الصحراويين المُحصَين سنة 1974 المنحدرين من مخيمات تندوف؛

-ما يُعرف بـ“الصحراويين الوحدويين”؛

-الساكنة المحلية الحالية في الأقاليم المعنية.

وتُمنح هذه المكونات حصصًا متكافئة، مع اعتماد آلية “الثلث المعطل” لمنع هيمنة أي طرف، بما يكرس منطق التوافق بدل الغلبة العددية. ويُنظر إلى هذا الترتيب باعتباره محاولة لتجاوز إشكالية تحديد الهيئة الناخبة التي شكلت لعقود إحدى أعقد نقاط الخلاف.

 

البعد الجغرافي والاستراتيجي

 

من بين النقاط المثيرة للنقاش أيضًا احتمال توسيع نطاق الجهة الذاتية ليشمل أجزاء من جهة كلميم–واد نون، بهدف تعزيز العمق القبلي والاقتصادي للكيان المرتقب.

ويحمل هذا الطرح أبعادًا استراتيجية، بالنظر إلى الروابط التاريخية والقبلية بين عدد من القيادات الصحراوية وتلك المناطق، رغم أنها لا تدخل ضمن الحدود المعترف بها دوليًا لإقليم الصحراء الغربية.

 

رئيس منتخب وتنصيب سيادي

 

من أكثر المسائل حساسية طريقة تعيين رئيس السلطة التنفيذية الجهوية. فالتصور المطروح يقوم على انتخابه محليًا، ثم تنصيبه بظهير ملكي.

ويرى محللون أن هذا الترتيب يعكس توازنًا دقيقًا بين الشرعية الانتخابية والضمانة السيادية، في سياق دستوري يعتبر الملك ضامنًا للوحدة الترابية. وبالتالي يُقدَّم التنصيب الملكي باعتباره آلية إدماج ضمن بنية الدولة الموحدة، لا وصاية مباشرة على القرار الجهوي.

 

ووفق الصيغة المتداولة، يتمتع رئيس الجهة بصلاحيات تشريعية وتنفيذية حصرية في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، محمية من أي تدخل مركزي، فيما تحتفظ الدولة بالاختصاصات السيادية: الدفاع، السياسة الخارجية، العملة، والمرجعية الدينية.

 

التحول الجيو-اقتصادي والضغط الزمني

 

يربط عدد من الخبراء الدينامية الحالية بعاملين رئيسيين:

-دعم أمريكي واضح يدفع نحو تسوية نهائية؛

-التحول الاقتصادي في المنطقة، حيث انتقلت من فضاء نزاع إلى قطب استثماري واعد، خاصة في مجالات المعادن الاستراتيجية والطاقة المتجددة، وعلى رأسها الهيدروجين الأخضر.

 

كما أن الإرهاق السياسي والعسكري والمالي المتراكم لدى الأطراف المعنية خلق، وفق هذا التقدير، “نافذة تاريخية” لتسوية ممكنة. وتشير بعض التحليلات إلى رغبة أمريكية في حسم الملف قبل صيف 2026، ما يفرض ضغطًا زمنيًا غير معلن على الفاعلين، خصوصًا الجزائر وجبهة البوليساريو.

 

بين الإمكان والتحدي

 

ورغم الطابع المتقدم للصيغة الجديدة، يبقى نجاحها رهينًا بمدى قبول جميع الأطراف، وبقدرة الأمم المتحدة على تحويل النقاش التقني إلى اتفاق-إطار سياسي ملزم. فالانتقال من خطة مفصلة على الورق إلى تسوية قابلة للتنفيذ يتطلب توافقًا إقليميًا ودوليًا دقيقًا، في منطقة ما تزال رهانات الأمن والطاقة والتوازنات المغاربية تؤثر بعمق في مسارها السياسي

أربعاء, 04/03/2026 - 02:34