
مع اتساع رقعة المواجهة بين إيران وخصومها، تتجه الأنظار في نواكشوط إلى ما تحمله التطورات من انعكاسات اقتصادية وسياسية، رغم البعد الجغرافي لموريتانيا عن مسرح الأحداث. فالحروب الكبرى لا تُقاس بمدى قربها من الحدود فحسب، بل بمدى تأثيرها في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والاصطفافات الدبلوماسية.
صدمة أسعار الطاقة… الخطر المباشر
اقتصاديًا، تُعد موريتانيا مستوردًا صافياً للمحروقات، وقد شرعت قبل شهر في تحرير أسعار المحروقات ورفع الدعم الحكومي عنها، ما يجعلها عرضة لتقلبات الأسواق العالمية. وأي ارتفاع حاد في أسعار النفط أو الديزل ينعكس سريعًا على تكاليف النقل والكهرباء وأسعار المواد الغذائية، في ظل اعتماد البلاد على الواردات لتلبية جزء معتبر من حاجياتها الأساسية.
الارتفاعات التي شهدتها أسعار النفط والغاز عقب التصعيد العسكري، إلى جانب اضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين البحري، تعني عمليًا زيادة كلفة الشحن إلى موانئ المنطقة، بما فيها ميناء نواكشوط ونواذيبو. ومع انتقال هذه الزيادة إلى المستهلك، يُتوقع أن تتصاعد الضغوط التضخمية، ما قد يضع الحكومة أمام تحدي الموازنة بين حماية القدرة الشرائية والحفاظ على التوازنات المالية.
الغاز الموريتاني… فرصة مشروطة
في المقابل، قد تحمل الأزمة جانبًا إيجابيًا لموريتانيا بوصفها دولة دخلت حديثًا نادي مصدّري الغاز عبر مشروع “السلحفاة الكبرى آحميم” المشترك مع السنغال. فارتفاع أسعار الغاز عالميًا قد يعزز من قيمة العائدات، خاصة إذا استمرت الأسواق في تسجيل مستويات مرتفعة نتيجة اضطراب الإمدادات من مناطق الإنتاج التقليدية.
غير أن هذه الفرصة تظل مشروطة بطبيعة العقود المبرمة، وبقدرة المشروع على التكيف مع بيئة دولية تتسم بارتفاع تكاليف التأمين والنقل البحري. كما أن أي توتر ممتد قد يؤثر على قرارات الاستثمار في مراحل التوسعة المستقبلية للمشروع، ما يجعل المكاسب المحتملة مرتبطة باستقرار نسبي في الأسواق.
تداعيات على التجارة وسلاسل الإمداد
لا يقتصر التأثير على الطاقة وحدها؛ إذ إن أي اضطراب في الممرات البحرية الاستراتيجية، خاصة في الخليج، ينعكس على حركة التجارة العالمية برمتها. وارتفاع أقساط التأمين البحري، حتى للسفن التي لا تمر مباشرة بمناطق النزاع، قد يؤدي إلى زيادة عامة في أسعار السلع المستوردة، من المواد الغذائية إلى المنتجات الصناعية.
بالنسبة لموريتانيا، التي تعتمد على الواردات لتأمين جزء كبير من احتياجاتها، فإن هذا السيناريو قد يفاقم تحديات السوق الداخلية، ويضع السلطات أمام ضرورة اتخاذ تدابير استباقية لضبط الأسعار وضمان وفرة السلع الأساسية.
حسابات التوازن السياسي
سياسيًا، تجد موريتانيا نفسها أمام معادلة دقيقة. فهي ترتبط بعلاقات تعاون مع شركاء غربيين وأوروبيين في مجالات الأمن والطاقة والهجرة، وفي الوقت ذاته تنتمي إلى فضاء عربي وإسلامي يتفاعل بقوة مع تطورات الصراع.
التوجه المرجح في مثل هذه السياقات هو تبني خطاب يدعو إلى التهدئة واحترام سيادة الدول وتجنب الانخراط في الاستقطابات الحادة. فالرهان بالنسبة لنواكشوط يتمثل في الحفاظ على علاقاتها الدولية المتوازنة، دون تعريض مصالحها الاقتصادية أو أمنها الداخلي لأي توتر إضافي.
بين المخاطر والفرص
في المحصلة، تبدو موريتانيا أمام مفترق اقتصادي وسياسي دقيق. فالحرب تحمل مخاطر واضحة تتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة والشحن وضغوط التضخم، لكنها قد تتيح في الوقت نفسه فرصة لتعزيز العائدات الغازية إذا استمرت الأسعار في مستويات مرتفعة.
غير أن العامل الحاسم سيظل مرتبطًا بمدى طول أمد الصراع واتساع نطاقه. فكلما طال أمد المواجهة، زادت احتمالات تأثيرها على الاستقرار الاقتصادي العالمي، وهو ما يجعل التحوط المالي، ومراقبة الأسواق، والحفاظ على التوازن الدبلوماسي، عناصر أساسية في إدارة المرحلة المقبلة.
أقلام



.jpeg)

.jpeg)