
يشير تقرير فريق الدعم التحليلي ومراقبة العقوبات التابع لمجلس الأمن الدولي (4 فبراير 2026) إلى أن تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية لم يعودا في طور “البقاء” داخل الساحل، بل في طور تثبيت المكاسب وتوسيع المجال الحيوي. الفارق هنا جوهري: حين تنتقل الجماعات من الهجوم المتقطع إلى إدارة الجغرافيا، يصبح الصراع أقرب إلى “حرب نفوذ” طويلة الأمد، لا مجرد موجة عنف قابلة للانحسار.
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تبدو الأكثر قدرة على استثمار هشاشة الدول عبر تمدد تدريجي داخل فضاء تحالف دول الساحل وصولًا إلى خليج غينيا وشمال غرب نيجيريا. ويتضح أن التمدد ليس مجرد انتشار ميداني، بل توسعة شبكات (تجنيد، تمويل، طرق تهريب، وسطاء محليين) تُنتج نفوذًا “ناعمًا/صلبًا” في آن واحد.
في المقابل، يتعامل تنظيم الدولة الإسلامية بمنطق مختلف: بناء “مركزية” قتالية تعتمد الإكراه والصدمة والسيطرة السريعة، ما يخلق احتكاكًا مستمرًا مع نموذج “الإمارات المحلية” الذي تتبناه النصرة.
الخلاصة الاستراتيجية: نحن أمام تنافس بين نموذجين للحكم المسلح:
•النصرة: تدرّج، تفاهمات محلية، إمارات متفرقة قابلة للتمدد.
•داعش: صدامية مركزية، توسع قتالي، تحطيم الخصوم بدل استيعابهم.
من الرشاش إلى “التكنولوجيا الرخيصة”
إحدى أخطر الإشارات هي صعود الطائرات المسيّرة البدائية. هذا التطور لا يحتاج إلى بنية صناعية معقدة، لكنه يمنح الجماعات قدرة على:
•الاستطلاع ورصد التحركات،
•رفع الدقة في الكمائن،
•التأثير النفسي (إرباك/تشتيت)،
•خفض كلفة الهجوم مقارنة بالنتائج.
وفي الوقت نفسه، تشير عودة الاشتباكات بين النصرة وداعش (خصوصًا شرق بوركينا فاسو) إلى أن “السوق الجهادي” يدخل مرحلة إعادة فرز؛ فالصراع بينهما ليس عرضيًا، بل نتيجة تناقض بنيوي في أهداف الحكم والسيطرة.
مالي: التصعيد العسكري.. وارتدادات الحدود
مالي تقدم نموذجًا كلاسيكيًا لتفاقم الأزمة: ضربات جوية تُظهر تحسنًا في القدرة على الاستهداف، لكن على الأرض تبقى السيطرة “مُجزأة”، وتنتج أحداثًا ذات أثر إقليمي.
حادثة مقتل منمٍ موريتاني وتِسعة من عماله داخل الأراضي المالية (وفق ما أوردت وسائل إعلام موريتانية) تمثل نمطًا بالغ الخطورة حيث ان تداخل الرعي والحدود مع منطق الأمن العسكري يخلق احتمالات احتكاك متكرر، ويُحوّل المسارات الاجتماعية/الاقتصادية إلى نقاط اشتعال.
وغياب رد رسمي سريع يزيد من فراغ السردية ويترك المجال للتأويلات والتعبئة.
وفي الداخل المالي، صعود الفاعلين المحليين المسلحين (الدوزو/دان نا أمباساغو) يشير إلى انتقال الصراع من “دولة ضد جماعات” إلى حرب مجتمعات؛ وهذه من أخطر مراحل النزاعات لأنها تخلق ثأرًا طويلًا وتُصعّب التسويات.
بوركينا فاسو: انشقاقات تُغذي التنافس
الانشقاقات داخل النصرة باتجاه داعش لا تعني بالضرورة انهيار النصرة؛ غالبًا ما تعني: إعادة تموضع تكتيكي لبعض القادة، وتصاعد تنافس على الموارد والممرات، او انتقال مقاتلين بين التنظيمين وفق حسابات شخصية/إثنية/مصلحية.
بعبارة أخرى: الانشقاق هنا قد يكون مؤشر تسخين لا مؤشر ضعف، لأنه يزيد “العدوانية” ويغذي عمليات إثبات الذات لدى الطرفين.
الأمم المتحدة ترصد… ولا تُغيّر
أحد أعمدة التحليل في التقرير أن الأمم المتحدة تفتقر إلى أدوات تنفيذية لمكافحة الإرهاب. هذا يعني عمليًا أن المنظومة الدولية تنتج تشخيصًا دقيقًا دون قدرة على تحويله إلى توازن ردع.
ومع تضاؤل التدخل الخارجي الحاسم، يصبح ميزان القوى مرهونًا بما تستطيع الدول المحلية فعله، وبسرعة قدرتها على بناء “استجابة متعددة الأدوات” (أمنية + تنموية + حكم محلي).
مؤشرات الخطر القريب (2026)
تتمثل هذه المؤشرات في:
1.الضغط الرمضاني على الإمداد والنقل والأسعار قد يوسع السخط ويخلق بيئة تجنيد.
2.تكرار احتكاكات الحدود (الرعاة/المهربون/الدوريات) يهدد بتدويل أزمات محلية.
3.تعميم المسيّرات الرخيصة سيُصعّب حماية القوافل والنقاط الثابتة.
4.تعاظم دور الميليشيات المجتمعية يرفع احتمال الانزلاق إلى عنف إثني/انتقامي.
5.امتداد العدوى نحو الأطلسي وخليج غينيا عبر “التسلل الشبكي” أكثر من الاجتياح العسكري.
سيناريوهات محتملة
السيناريو 1: تآكل الدولة (الأرجح إن لم تتغير المعادلات)
تتراجع سلطة المركز تدريجيًا إلى المدن والمحاور، بينما تتحول الأرياف إلى نفوذ “غير مرئي” للجماعات والوسطاء.
السيناريو 2: احتواء جزئي
نجاح نسبي في حماية العواصم والمرافق الحيوية، مع استمرار النزيف في الأطراف.
السيناريو 3: صدمة انهيار
تساقط ولاية/إقليم أو “ممر” استراتيجي يفتح الباب لتغير جذري في الخريطة الأمنية ويُسرّع أزمة إنسانية واسعة.
خلاصة
منطقة الساحل لم تعد أمام “موجة عنف” بل أمام مسار إعادة تشكيل نفوذ على نطاق إقليمي. الخطير ليس فقط توسع الجماعات المسلحة، بل تزامن ذلك مع هشاشة الدول، وتضخم الميليشيات، وتكنولوجيا منخفضة الكلفة عالية الأثر، وغياب رافعة دولية حاسمة.
وبهذا المعنى، الساحل بالفعل على منحدر حاد: أي خطأ صغير في الحدود أو الإمداد أو الشرعية قد يتحول إلى قفزة قى الهاوية.



.jpeg)

.jpeg)