
حين أحكمت الدولة العثمانية في القرن الخامس عشر الميلادي قبضتها على الممرات الشرقية المؤدية إلى الهند و جنوب شرق آسيا لم تكن في الواقع تحكم غلق الأبواب على اوربا بقدر ما كانت ترفع كلفة الوصول الى الشرق، حيث التوابل والحرير والمعادن النفيسة التي لا غنى للاوربيين عنها، وبالنسبة لإسبانيا والبرتغال او النمور الايبرية الصاعدة في ذلك الوقت إذا جاز ان نستخدم قاموس اليوم، فإنها كانت ترى الامر أشبه بالابتزاز بهدف الاخضاع، ولهذا بدأت الدولتان البحث عن طريق التفافي يوصل الى تلك العوالم بعيدا عن مخاطر المرور من مجال الدولة العثمانية ، وهكذا وُلد القرار الاستراتيجي الذي غيّر وجه العالم، حيث بدأت الدولتان تمولان رحلات الاستكشاف البحرية ، وبدأ الإبحار جنوبًا بمحاذاة السواحل الإفريقية، الذي قاد في النهاية إلى اكتُشاف رأس الرجاء الصالح سنة 1488، ثم انفُتح الطريق البحري الجديد الموصل إلى الهند بعيدا عن مجال نفوذ العثمانيين.
لم يكن الأمر اكتشافًا جغرافيًا بسيطا، بل انقلابًا في منطق القوة وميزانها حيث انتقل مركز الثقل من شرق البحر الابيض المتوسط إلى الأطلسي، ومن الممرات البرية والبحرية التقليدية إلى فضاء المحيطات الواسع، وولد عالم جديد. ومع تطور الملاحة والتمويل والازدهار والتطور التجاري، بدأت الدولة العثمانية تفقد موقعها كعقدة لا يمكن تجاوزها، مع أنها لم تُهزم في معركة فاصلة، ولكن جرى الالتفاف عليها حين وُجد طريق بديل، فدخلت في عزلة وركود طويل لم تفق منه الا وهي تتساقط حيث استفرد محمد عالي باشا بمصر ثم تكالبت عليها القوى الاخرى بعد ذلك في اطار ما عرف تاريخيا بتقسيم تركة الرجل المريض.
اليوم، يتكرر الأمر مع الولايات المتحدة بصيغة أخرى فهي تمسك بعُقد النظام الدولي، الممرات البحرية ، الدولار كنظام تسوية عالمي، شبكات الدفع، سلاسل الإمداد، كل من يتحرك اقتصاديًا يمر – مباشرة أو ضمنيًا – عبر منظومة الدفع المالي اسويفت لديها. إنه شكل حديث من التحكم بالعقد، وبالمضائق الحسية والمعنوية.
لكن كما في التاريخ فان احتكار العقد والمضائق يولّد بالدوام غريزة الالتفاف، والحقيقة أن مشروع الحزام والطريق الصيني هو في جوهره نوع من الالتفاف، فهو مشروع لإعادة رسم المسارات والممرات البرية عبر أوراسيا، وعبر موانئ ممتدة إلى إفريقيا، مع شبكات تمويل خارج المدار الأمريكي ؛ ونفس الأمر بالنسبة لروسيا فهي بدورها تسعى إلى توسيع مساراتها البرية والطاقوية، وبناء أدوات مالية وتقنية تقلل من الارتهان لنظام البترودولار وكذا نظام التغطية المدارية الفضائية، حتى المجال الرقمي بات ساحة لبناء “ممرات” سيادية مستقلة بعيدا عن المظلة الرقمية الامريكية.
إنه سباق وبحث عن رأس الرجاء الصالح من جديد، أو بعبارة أخرى البحث عن طريق لا يمر عبر الهيمنة القائمة.
في هذا السياق، تقف منطقتنا أمام لحظة شبيهة بما جرى لها في القرن الخامس عشر حين كانت سواحلها مسرح عبور ، حين كان أجدادنا ينظرون في طيبة وبراءة من بعيد الى السفن متجهة جنوبا أو آئبة شمالا ، لم يكونوا ليفهموا أنها مصائر تتحدد وأقدار ترسم وواقع قادم لا محالة يتحدد.. لم يكن أحد ليلومهم أنهم لم يلعبوا دورا أو يسهموا بحركة أو موقف، كان الامر أكبر من قدراتهم وحتى ادراكهم، مع أن الموقع كان كما هو اليوم مواتيا ومعينا ..
وفي الحقيقة فانه لا استفادة اليوم كما الامس الا بالبحث عن سلم او رافعة للوصول الى موقع الاسهام والتأثير و إن خير طريق وانسب باب الى ذلك هو الأحلاف والكتل، وظني أنه اذا ظلت دول منطقتنا متفرقة مبعثرة فستبقى كما هي معبرا ومداسا للاخرين الى غاياتهم أما إذا تحولت إلى كتلة أو كتل واعية بثقلها الجغرافي والديمغرافي والمواردي، فإنها تستطيع أن تصبح عقدة لا يمكن تجاوزها في أي نظام عالمي قادم.
وليس هناك من شك في أن تحالف دول الساحل المجاور لنا يشكل اليوم نواة كتلة صاعدة في قلب غرب إفريقيا؛ وبالنسبة لموريتانيا، فإن اللحظة لا تحتمل الانتظار و المطلوب هو فتح مفاوضات سريعة وواضحة مع هذا التحالف لصياغة إطار تكتلي مرن وعملي سواء بصيغة “تحالف دول الساحل + موريتانيا” أو نموذج “3+1” بما يدمج نواكشوط في المعادلة الجديدة دون إبطاء لأنه إذا لم نتحرك لنكون جزءًا من كتلة إقليمية متماسكة، فسيمر التحول من حولنا كما مرّ في القرن الخامس عشر بأجدادنا، حين اكتُشف رأس الرجاء الصالح و هم يتفرجون من بعيد دون أن يفهموا أي شيء مما يجري حولهم.



.jpeg)

.jpeg)