الذكرى الستون لأحداث 1966: حين تحوّلت المدرسة إلى ساحة صراع

تحلّ اليوم الذكرى الستون لأحداث فبراير 1966 التي مثّلت إحدى أخطر لحظات التوتر الأهلي في تاريخ الدولة الموريتانية الفتية، حين تحوّلت أزمة المدرسة واللغة إلى صدامات ذات طابع هوياتي، كادت تجرّ البلاد إلى قطيعة اجتماعية شاملة. ويستهدف هذا الملف إعادة تركيب تسلسل الوقائع مع إبراز العوامل البنيوية التي جعلت “مشكلة اللغة” واجهة لصراع أعمق حول النفوذ والاندماج والمساواة داخل الدولة.

 

في الذكرى الستين لأحداث 1966، بدا وكأن البلاد تعود إلى نقطة قديمة لا تزال حاضرة في الذاكرة: المسألة الوطنية… سؤال التعايش بين مكوّنات المجتمع، وكيف تُدار داخل دولة الاستقلال التي كانت ما تزال في بدايات تشكّلها. لم تكن تلك السنوات مجرد نقاش حول لغة تعليم أو ساعات دراسية، بل كانت لحظة كاشفة عن صراع أعمق على النفوذ داخل أجهزة الدولة الوليدة، وعن خوف متبادل من التهميش والإقصاء، سرعان ما اتخذ واجهة اسمها: أزمة التعريب.

 

منذ السنوات الأولى للاستقلال، انقسمت نخبة البلد بين من رأى الخلاص في الارتباط بدولة مجاورة، أو في نظام فيدرالي يضع حواجز تمنع هيمنة قومية على أخرى، وبين من راهن على إمكان بناء أمة موريتانية واحدة قادرة على البقاء والتطور. غير أن التنافس على مواقع القرار وعلى ريع الدولة الجديدة ظلّ وقودًا دائمًا للاحتكاكات، قبل أن تطفو “مشكلة اللغة” إلى السطح وتتحول بسرعة إلى عنوان مواجهة سياسية وثقافية مكشوفة.

 

من إصلاح 1959 إلى قانون 1965

 

في عام 1959 جاء إصلاح تعليمي رفع حضور العربية نسبيًا (10 ساعات أسبوعيًا بدل 6)، ولم يُحدث سوى موجة محدودة من الاستياء. لكن المنعطف الحقيقي كان مع القانون رقم 026/65 الصادر بتاريخ 30 يناير 1965، الذي أعاد تنظيم التعليم الثانوي، وفرض تعلّم العربية إلى جانب الفرنسية ابتداءً من السنة الأولى إعدادي. ونصّت مادته العاشرة على إلزام تعليم اللغتين في مؤسسات التعليم الثانوي.

 

قدّمت السلطة آنذاك هذا التوجه بوصفه محاولة “لتقريب المدرسة من وسطها الاجتماعي والثقافي”، واستجابة “لتطلعات أغلبية السكان”. غير أن المتحدثين باسم الزنوج الموريتانيين رأوا فيه، مع بداية 1966، “خدعة وخيانة” ترمي إلى اضطهادهم ثقافيًا وإقصائهم تدريجيًا من الإدارة والدولة.

 

شرارة الإضراب.. والبلاد على حافة الانقسام

 

بدأت الأحداث عمليًا يوم 4 يناير 1966 حين دخل التلاميذ الزنوج في إضراب مفتوح بنواكشوط وروصو، مطالبين بإلغاء القرار الذي يفرض تعليم العربية في الثانوي. وردّت الحكومة بنداء إذاعي لوزير التهذيب يطالب بالعودة إلى الفصول، مع التهديد بالطرد، وتم تمديد مهلة العودة إلى يوم 10 يناير.

 

في اليوم نفسه تقريبًا، انتقل التوتر من المدرسة إلى الإدارة والسياسة. فقد صدر يوم 6 يناير “بيان التسعة عشر” موقعًا من 19 موظفًا ساميًا من منطقة النهر، يعلنون دعمهم للإضراب ويهاجمون “التعريب القسري”، معتبرين ازدواجية التعليم “خدعة لإقصاء المواطنين السود من شؤون الدولة”. ثم تتابعت بيانات مساندة أخرى، واتسع الإضراب إلى مدن إضافية مثل كيهيدي ولعيون.

 

ومع ذلك، تعترف رواية الرئيس الراحل المختار ولد داداه –في مذكراته– بأن الدولة قصّرت في شرح القانون وتوضيح نطاق تطبيقه، وأن مذكرة وزير التهذيب التي قالت إن الإلزام لا يشمل من التحقوا بالدراسة قبل صدور القانون كان ينبغي أن تُعمم مبكرًا خلال العطلة الصيفية. كان ذلك، بحسب الرواية نفسها، تقصيرًا لم تتحمل مسؤوليته الوزارة وحدها، بل شمل الحكومة والحزب، لأن “من يسوس بلدًا عليه أن يتقن فن التوقع”.

 

خطاب 10 يناير والعقوبات.. ثم “منشور البيظان”

 

في 10 يناير 1966 توجّه الرئيس بخطاب إذاعي شديد اللهجة، اعتبر فيه أن موقعّي “بيان التسعة عشر” استخدموا التلاميذ كأداة ضغط، وهددوا وحدة الأمة، وأعلن قراره تعليقهم ومتابعتهم قضائيًا، محذرًا من أن أي مساس بأسس الوحدة الوطنية سيعاقب “دون رأفة”.

 

وبينما اتخذت الحكومة خطوات تنظيمية، من بينها مرسوم 13 يناير لتحديد إجراءات تطبيق قانون 1965، وإغلاق المدارس الثانوية في نواكشوط إلى غاية 4 فبراير، جاءت لحظة أخرى صاعقة يوم 2 فبراير مع توزيع ما عرف بـ“منشور البيظان” غير الموقع، الذي ندّد بما سماه “سياسة إنشاء عرق أسود من العدم”، وذهب إلى حد اعتبار “القطيعة التامة والنهائية بين العرقين” هي الضمان للمستقبل.

 

هنا لم تعد القضية مدرسة أو لغة. صار البلد في مواجهة خطابين متطرفين يدفعان إلى الاستقطاب. وبدا أن شرارةً صغيرة تكفي لإشعال نار كبيرة.

 

9 فبراير: الانفجار في شوارع نواكشوط

 

استؤنفت الدراسة يوم 4 فبراير في جو وُصف بالهادئ، لكن مساء 8 فبراير شهدت الثانوية الوطنية مشاجرات بين تلاميذ من المكوّنين. وفي صباح 9 فبراير 1966 انفجرت العاصمة: صدامات عنيفة في عدة أحياء، خلفت حسب الحصيلة الرسمية 6 قتلى و70 جريحًا. وكانت تلك أخطر أزمة داخلية واجهت أساس وجود الدولة-الأمة في تلك المرحلة.

 

عاد الرئيس إلى نواكشوط في اليوم نفسه قادما من باماكو، رافضًا اقتراح الهبوط في مكان آخر. وأعلنت السلطات سلسلة إجراءات أمنية صارمة: تطويق المدينة، دوريات، حماية السفارات، حظر تجوال، وإغلاق المؤسسات الثانوية وإرسال التلاميذ إلى ذويهم. كما وقّعت مراسيم يوم 10 فبراير لتحديد مسؤوليات حفظ الأمن وإجراءات السيطرة.

 

ومن بين التفاصيل الدالة في رواية تلك المرحلة، عرض السفير الفرنسي تقديم دعم عسكري من قاعدة دكار، لكن ولد داداه فضّل عدم اللجوء إلى فرنسا في الأمن الداخلي، حفاظًا على معنى السيادة والقدرة الذاتية للدولة الجديدة.

 

ما بعد الأزمة: تهدئة سريعة… وجمر تحت الرماد

 

مع السيطرة الأمنية واعتقال عشرات الأشخاص من المكونتين بتهمة التحريض، بدأت مرحلة سياسية هدفها احتواء الانقسام. صدرت بيانات داعمة للوحدة من جهات نقابية وطلابية، وعُيّنت بعثات “للشرح” في الداخل تضم مسؤولين (بيظانا وزنوجا) في كل بعثة.

 

وفي 19 فبراير قُدّم تقرير رسمي أعدته مجموعة من الموظفين السامين، أوصى بمحاكمات استثنائية لمن يزرعون التفرقة بما يكتبون، ومحاكم عادية لأعمال العنف، كما دعا سياسيًا إلى تحديد دور الحزب ومحتواه، والعودة إلى الديمقراطية داخله، وتحديد معطيات الحوار الوطني.

 

لكن الأخطر ان البلاد بعد أن هدأت عواطفها، عادت “وكأن شيئًا لم يحدث”، وبقيت جذور الأزمة دون معالجة حقيقية، لتظل المسألة الوطنية قابلة للعودة كلما هبّت ريح جديدة.

 

لماذا يعود الجدل بعد ستين عامًا؟

 

لأن “أزمة التعريب” لم تكن في جوهرها مسألة لغة فقط، بل كانت في عمقها سؤالًا عن المساواة داخل الدولة: من يمتلك مفاتيح الإدارة؟ من يشعر بالعدالة في التوظيف والترقية والتمثيل؟ وكيف يمكن للمدرسة أن تكون مساحة توحيد لا مساحة استقطاب؟

 

بعد ستين عامًا، ما يزال الجدل يتجدد حول التعريب، ويتمسك جزء من الزنوج بنفس الهواجس القديمة بشأن استخدام الملف لتهميشهم في الإدارة والدولة. 

 

في معنى الذكرى

 

إن استعادة أحداث 1966، ليست ترفًا تاريخيًا. إنها تذكير قاسٍ بأن الدول يمكن أن تهتز من داخل المدرسة، وأن خطاب الكراهية يمكن أن يسبق العنف بخطوة واحدة، وأن غياب الإنصاف والشرح والتوقع يجعل المجتمع كله يدفع الثمن.

 

إن السؤال الذي لا يزال قائما فى الذكرى الستين عام 2026 وبإلحاح أكبر:

هل حان الوقت لإعطاء “المسألة الوطنية” ما تستحقه من اهتمام؟

وهل من حقنا أن نحلم بوضع صحيّ لا تضطر فيه أي مكوّنة وطنية إلى تفسير معاناتها باتهام مكوّنة أخرى، بل تجد في الدولة نفسها ضمانة المساواة والعدالة والطمأنينة؟

 

وهذا هو معنى استحضار فبراير 66: أن نتعلم كيف لا يتكرر.

 

أقلام

سبت, 07/02/2026 - 15:07